فانتازيا حضرية

فانتازيا حضرية.pdf

فانتازيا حضرية

مقدمة

رحلة شاقة، كان سيتحمل شقائها هى وأبنها الرضيع، الذى كانت على وشك ان تفطمه، وكذلك أمها الشحيمة الممتلئة، التى تعانى بالفعل من ألم أرجلها كلما كان عليها أن تتحرك بواسطتهم.

تلبسن العباءة السوداء التى أصبحت الآن _من جديد_ زياً تقليدياً. إنها لا تـُظهر شيئاً من شكل ووقع الجسم، وحيث حجاب الرأس يحيل الوجه واضح الاستدارة, فليس هناك من أثر للجمال فى بروز ملامحه بقدر ما هنالك من نفور. أما الطفل الرضيع، فلا يكاد يظهر منه شيئاً وهو يستلقى مسترخياً بين ذراعى أمه بالقرب من ثديها.


ليس هناك من رجل معهنا, وأياً ما كان السبب فإن زوجها لم يعد موجوداً. قد يكون الموت هو السبب، وخصوصاً بعد صراع طويل مع المرض. وقد يكون السرطان؛ سرطان الرئة أو الجلد أو العظام أو اياً من السرطانات القاتلة. لكن حداثة عهد طفلها بالحياة يوحى بغير ذلك، ويشير إلى ان السبب لم يكن مرض أو ضعف الرجل وإشرافه على الموت. إذاً يبدو انه هناك سبب آخر، كالطلاق مثلاً؛ وفى تلك الحالة فانه يكون قد حدث لسبب وجيه، نظراً أيضاً لحداثة عهد الطفل. يقولون ان الفقر والحاجة بإمكانهما ان يدمرا بيتاً، لكننى أعتقد ان الطلاق لا يحدث إلا عندما يشعر أحد الزوجين بالفراغ من الحياة الزوجية، وحينما لم يعد هناك أى درجة من المتعة فيها، وعندما تتحول مشاعر الملل والضيق من الحياة الزوجية إلى غضب وثورة عارمة تجاه الذات والآخر، وتجاه البيت نفسه، أقصد البيت بصفته الفيزيقية!

وربما قد جائوا إلى هنا _إلى وسط المدينة_ لكى يتدبروا أمر أوراق التركة الضئيلة التى ربما يكون قد تركها زوجها المتوفى لهم. أو أوراق طلاقها منه، مضافاً اليه أمور النفقة والقايمة وما إلى ذلك من أشياء تظل دائما عالقة وشائكة ولا يحكم فيها غير القضاء. ربما تكون فى مكتب أحد المحاميين إذاً. وإذا ما كانت هنا لسبب أخر، مثل علاج طفلها مثلاً من مرضاً محتوم من أمراض الأطفال التى تضرب نضارتهم، مرة تلو الأخرى، إلى ان ينهض جهازهم المناعى أخيراً ويقوى تحملهم فإنها تكون إذاً فى عيادة أحد الأطباء؛ أو الطبيبات إذا ما كانت تعالج نفسها هى من أحد أمراض الأمومة كذلك. وعلى كل حال فإن أمها بخير، طبعاً، بغض النظر عن أرجلها التى تألَّمت وتتألم كثيراً اليوم؛ لكن أمها هنا اليوم، معها، فقط لكى تساندها وتساعدها وتكون عوناً لها فى رحلتها تلك الشاقة والطويلة.

هم ليسوا من سكان الأرياف، ولو ان تلك المنطقة التى يسكنوها، كانت فى يوم ما _ليس بعيداً على الاطلاق_ منطقة زراعية وريفية بحتة! لكنها الآن لم تعد كذلك؛ لقد دخلت فى نطاق المدينة وأصبحت تشكل جزئاً من حدودها المتسعة باطراد. ان العمران نشأ فى كل أرجاء المنطقة تقريباً، ولم يعد هناك سوى بضعة مربعات ومستطيلات خضراء، مُبعثرة ومتناثرة بين المبانى الناهضة. لن يطول الزمن قبل ان تختفى كل تلك البقع المزروعة من نطاق المنطقة تماماً، ويحل مكانها مبانى جديدة كسابقاتها. إلا ان الترعة لازالت تمر بطولها المهول من هناك، مكشوفة تحت السماء لن تختفى أبداً، أو على الأقل لن تندثر من الوجود! فبالرغم من أنهم يقدرون على تغطيتها تماماً وان يعدّون فوقها الطرق ويرفعون الكبارى وينشأون العمران كما فعلوا بالفعل فوق العديد من الترع الأخرى، إلا أنها ستظل هنا فى ذات مكانها العتيق، تجرى تحت كل ذلك العمران والحياة المدينية، التى لا تأبه البتة لكل ذلك الطمى الذى يتجمع فى بطنها، كما المرأة الحبلى التى لا تضع أبداً!


ليس بريف إذاً، ذلك المكان الذى أتوا منه؛ لكنه بوضوح امتداد بعيد جداً للعمران الذى نشأ قديماً من وسط المدينة. وهم هنا اليوم، فى وسط المدينة، وأياً كان ما أتى بهم إلى هنا فإنه عليهم الآن ان يعودوا ثانية من حيث أتوا، إلى بيتهم وهكذا، فإن امامهم رحلة شاقة وطويلة، مثل تلك التى تحملوا عنائها وهم يأتون إلى هنا.


1.
تمزق الشنطة الورقية وفقد الببرونة البلاستيكية

كانتا تقفا، هنا وناس أخريين ينتظرون الأتوبيس جميعاً، مباشرة عند منزل الكوبرى، أو عند مطلعه! ذلك ان هذا الكوبرى كانت تسير فوقه العربات سابقاً فى اتجاه واحد فقط، اما الأن، فأن شركة كبيرة للمقاولات قامت برفع المزيد من الأعمدة وتوسيع عرض الكوبرى لكيما يسمح بمرور العربات فى كلا الاتجاهين. وبأية حال فقد طال الانتظار لحد ما، بالرغم من أن وسائل المواصلات العامة كانت تنزل من الكوبرى مارة بهم طول الوقت، والناس تنزل منها وتركب فيها دون انقطاع، إلا هم؛ أنهم لا يفهمون شيئاً مما يحدث حولهم، ولا يعرفون شيئ عن نظام المواصلات وإذا ما كانت تذهب إلى حيث هم يقصدون. ثم ان الأتوبيس العادى، الذى اعتادت الأبنة على منظره وهى صغيرة، يكاد يكون قد اختفى. هنالك ذلك النوع الجديد من الحافلات التى تشغـِّلها شركات خاصة، والتى يُطلق عليها مينىبَص، وهى لا تقف بالضرورة فى المحطة، كما أنها غالباً لا تقف تماماً أبداً؛ انها تهدئ السرعة فحسب، سامحة بذلك لمن يريد ان ينزل بالقفز، ولمن يريد ان يركب بالتسلق! ولذلك فانه يجب على هذا أو ذاك ان يقوموا بالقفز أو التسلق سريعاً جداً، وان يتمكنوا فى الوقت نفسه من تجنب الارتطام بعضهما ببعض فيما هم يفعلون ذلك فى ذات اللحظة.

وهكذا، وقفتا الأثنتان فى هذا الموضع بالضبط من منزل الكوبرى لمجرد أنهنا وجدتا الناس الأخريين يقفون هناك. وكانت الأم قد أصابها نوعاً من الزهول الداخلى لما كانت تراه أمام أعينها من قفز وتسلق وتجنـُّب وتفادى ومحازاة وإزاحة وتملـُّص، يحدثون فى سرعة خاطفة وتلقائية متناهية. وكانت تشعر بالعجز الكامل أمام مثل ذلك العرض البارع، وتشعر بالفزع من وجودها فى مثل ذلك المحيط، الذى لابد وأن تكون جزء منه الأن وهى تعود للبيت.

أما بنتها، فقد لاح فى وجهها ذو الملامح البارزة _أو ربما ينبغى على ان أقول_ المبروزة برزاً! الكثير من الانزعاج والاشمئزاز والشقاء، ممزوجين معاً فى عبوس نافر. لم تكنا قد اعتادتا الخروج كثيراً من البيت، أو الذهاب بعيداً منه على أى حال. كانوا دائماً بالقرب من البيت ولم يكونوا يستخدمون المواصلات العامة، الهم ربما كانوا يأخذون التوكتوك من وقت لآخر لزيارة قريبة لهما تسكن فى الجوار، أو التبضع من محال قريبة فى حى مجاور. وأى كان الغرض الذى أتى بهم إلى وسط المدينة، فإن شدة تعبير وجههنا بصفة عامة يشير إلى انهنا عائدتين خائبتين الرجاء، وان مجيئهنا لم يكن موفقاً، أو على الأقل ليس بالقدر الذى كانتا تتوقعاه.

لم يمر وقت طويل وهنا تقفنا خاضعتين لطنين الازدحام وتطاير عادم السيارات حولهنا، حتى بدأتا على الفور فى سؤال الناس من حولهنا عن أى اتوبيس يجب عليهنا الأمساك به. لم تكنا تعرفنا القراءة، وكانتا تعلمنا أيضاً أنهنا لن تجدنا من موضعهنا هذا عند منزَل الكوبرى فى وسط المدينة وسيلة يصلنا بها إلى بيتهنا مباشرة.

والواقع أن الآخرين لم يكونوا يتجاهلوهن عن قصد؛ ذلك ان فيض الأتوبيسات والمينيباسات والميكروباسات كان يجعل من الواقفين بهلوانات حائرة تجرى هنا وهناك فى ارتباك عظيم. لم يرد عليهنا أحد. أو كلما شرعتا فى الإجابة على أحد بعد ان استفسر منهنا عن مقصدهنا، كان يختفى فجأة من أمامهنا، ويكون فى لمح البصر قد انطلق راكضاً خلف وسيلة ما من وسائل المواصلات تاركاً اياهنا لعجزهنا وقلة حيلتهنا. وظلا هكذا يتغذى الارتباك من أعصابهنا إلى ان دب الغضب والخلاف، عوضاً عن التحمل والمساندة، فيما بينهنا، وخصوصاً من قبل الأبنة تجاه أمها، التى كانت وكأنها، بسبب ضخامة جسدها وثقل قدميها، هى من تـُأخر وتعوق حركة أبنتها. والحقيقة أن ذلك كان صحيحاً، وكانت الأم قد أرهقتها رحلة الذهاب بالفعل وبشكل كبير. وكان التوتر قد تملك منها تماماً عندما أدركت ان رحلة العودة ستكون أصعب بكثير من رحلة المجيئ إلى هنا، حيث تقف هى الآن تعانى نهر أبنتها لها. ومن الجلى ان أبنتها كانت لا تشعر بالكثير من العطف تجاه أمها، أو على الأقل، أنها لم ترد وجود أمها معها فى هذه الرحلة التى كانت تعلم أنها ستكون شاقة ومنهكة. لكن أمها كانت قد تمسكت بشدة وبعنف بوجودها معها فى هذه الرحلة، وكانت صادقة عندما أعلنت لأبنتها أنها تريد ان تفعل ذلك لمساندتها ومساعدتها بشكل فعلى فى الرحلة؛ كأن تحمل عنها الطفل مثلاً من حين لآخر، أو كأن تحمل عنها حقيبتها التى تمتلئ عن آخرها بأدوات رعاية الطفل، كالببرونة وقطع القماش والمناديل والرداء الثقيل الذى سيحميه من البرد المُحتمَل، ولو ان حرارة الجو هى التى تعيه الآن وتجعل منه كتلة هامدة مغمورة فى حرارة عبائة أمه السوداء التى تمتص شعاع قرص الشمس المشع فوقهنا.

كانت أمها تحاول ان تروج عنها دائماً، بروح أموميةطفولية! بعد الأسى والمزاج الحاد الذين تمكنا من روحها كنتيجة لفقدان زوجها بشكل ما. والحقيقة هى انه عندما أعلنت أمها أنها لن تسمح لها بالذهاب وحدها، كانت تستطيع الأبنة بسهولة أن تقمع أمها قمعاً وأن تأتى بإرادتها إلى أسفل الأرض بدلاً من ان تشير فقط إلى اعتراضها؛ لكنها لم تفعل، ويبدو أنها كانت تشعر بالوحدة والتخوٌّف تجاه هذه الرحلة، وأنها أرادت أن يكون هناك من يساعدها بالفعل ويكون بجانبها. ولذلك فقد تظاهرت فقط بالانزعاج من وجود أمها معها، ولم يكن هناك سوى الغضب والتوتر الناتج عن الضوضاء والطنين والتلوث والارتباك الآن، الذى دفعها دفعاً إلى نهر أمها من وجودها معها. أما أمها فقد ظلت صامتة فى خضوع كلىّ لأبنتها، ولم تشعر سوى بالمزيد من الارتباك والتوتر يأكلا كل كيانها فى محيط الضوضاء والحركة العنيفة الذين يكتنفاها اكتنافاً.


أمسكت الأبنة أخيراً بزمام الأمر فى يدها، ودفعت أمها دفعاً _دون أى مقدمات ودون ان تقول لها شئ_ فى أحد المينيباسات التى فطنت بشكل ما أنه سيقرِّبها من بيتها. كانت الأم تئن وتتأوّه وهى تصعد درجات سلم الحافلة الثلاث ببطء ومعاناة بالغة, وكادت ان تصرخ وهى ترفع قدمها ورجلها عند آخر درجة. لكم عجيب هو ان أحداً من الركاب الذين منعهم صعود جسدها الممتلئ والشحيم من النزول السريع، لم ينتبه البتة إلى مأساتها! كانت تعلم جيداً، بعد أن رأت ما رأت، أنها تعوق حركة الجميع، صعوداً كان أو هبوطاً، وكانت عصبيتها وتوترها من ذلك يشبه الارتعاد الذى يصيب الكافر المستتر عندما يعلم المؤمنون المحيطون به من كل جانب بأمر كفره! ولكن لسبب ما كان الراغبين فى النزول والصعود أكثر ارتباك وتوتر منها، وكأنهم إذا ما لم يتمكنوا من الصعود أو النزول سريعاً، فإن الموت والهلاك سيحل بهم؛ وبالفعل فقد نطق بعض الراغبين فى القفز سريعاً بعبارات غير لائقة فى حقها وتجاه ثمنتها، وحاول أخرون دون أدنى تريث أو إدراك ان يقفزوا من فوقها أو ان يتسللوا من أسفل عبائتها، وكان كل ذلك قد زادها ارتباكاً وارتعاداً. كانت الأبنة لازالت تقف مع الواقفين المنتظرين صعود ذلك الجسد الثقيل الهائل، وكانت الحافلة قد توقفت بالكامل لوقت ما، وبدأت ان تتحرك من جديد بالفعل غير عابئة لمن لم ينزل أو يصعد بعد. فما أن صعدت الأم أخيراً وتركت المجال خالياً للآخرين حتى أنهال هؤلاء نزولاً وقفز أولئك صعوداً فى ارتطام واشتباك مروع. وكانت الأبنة تقف بالضبط فى النقطة التى تتوسط كل ذلك وقد كشف تعبير وجهها عن القرف والاشمئزاز الشديدين. وكانت الأم الآن تتلفت حولها بحثاً عن أبنتها التى بدأت ان تصارع هى الأخرى بعد ان أدركت أنها ربما لن تتمكن من الصعود قبل ان تنطلق الحافلة المتزايدة سرعتها الان.


كانت تحمل فى يديها طفلها الرضيع, وكذلك حقيبتها الكبيرة الممتلئة بالأشياء، وبالرغم من أنها تمكنت من الصعود خلال كتل البشر، وتحملت الارتطام بقوة، وتوغلت عبر الاشتباك بعزم، إلا ان كل ذلك كان لا يمكن ان يحدث دون خسائر: لقد استيقظ الطفل دون شك، مفزوعاً، يبكى ويصرخ دون تعقل ودون ان يكون هناك مجال للتفاوض معه فى ذلك الأمر! وعندما صعدت الأبنة وتقابلت مجدداً مع أمها الملهوفة عليها، والتى شرعت على الفور تعرض عليها ان تحمل عنها طفلها، أو أى شئ آخر، يمكنها من خلاله ان تثبت أنها كما قالت، سوف تساعدها؛ لم تكن قد فاقت الأبنة بعد من هول الصدمة التى مرّت بها للتو. كان الازدحام داخل الحافلة فظيعاً، وكانت الحرارة خانقة، وكان الطفل يشعر بكل ذلك يتخلل جسمه، وربما يكون قد منعه الازدحام الجنونى من الشعور بوجود أمه تماماً. لكن أحداً من الرجال الطيبون كان قد قام من مقعده لها، فجلست هى دون ان تنبث بكلمة، وكان القرف والعبوس لازالا يتسيدا ملامح وجهها المبروز. كان الجميع مرتبكاً ومتوتراً بفعل الازدحام والحرارة وسرعة كل الأحداث الواقعة من حولهم، كالنزول والصعود والقفز والتسلق وما إلى ذلك. وكان السائق يسب ويشتم ويتحشرج بألفاظ بذيئة تنم عن غضب أحمق وعنيف يتمكن منه لسبب ما.


نظرَت فى حقيبتها لكيما تـُخرج منها ببرونة طفلها الذى كان لايزال يصرخ معترضاً على كل شئ، ولم تـُدهش كثيراً عندما وجدت أن الحقيبة المصنوعة من الورق المقوى، والتى كانت قد حصلت عليها من أحدى محلات الملابس التى تذهب له هى وأمها خصيصاً بالتوكتوك كانت قد مُزِّقت من أحد أطرافها تماماً فيما كانت تصارع لصعود الحافلة؛ وكان قد انفرط منها إلى أرض الشارع الأسفلتية الببرونة البلاستيكية خضراء اللون _وان كان غطائها أزرق!_ والتى كانت قد اشترتها بثمن جيد، ضمن أشياء أخرى كثيرة أشترتها فور ان علمت بأمر حبلها فى الصبى التى هى تحمله الآن. كانت ملئانة باللبن المعلـَّب، الذى كان عليها ان تعانى كثيراً لأجل ان يتعود طفلها أخيراً على استساغته. وكان قد ضاع من الحقيبة الكثير من الأشياء الأخرى كذلك. وظلت تتفقد ما فـُقد من حقيبتها بدرجة من العنف البدنى الذى استطاع ان يميزه طفلها على الفور، وجعله يشعر بقرب أمه منه. وبالرغم من أنها كانت فى غير مزاج جيد، إلا أنه كان قد بدأ ان يستكين ولو قليلاً.

فى هذه الأثناء كانت الأم الشحيمة تقف بجانب مقعد أبنتها، تهتز بقوة مع كل مطب وكل فرملة وكل نازلاً وصاعداً جديدين. وكانت صامتة تماماً كما الخرساء، وان كانت فى داخلها تتفقد حال أبنتها وأبن ابنتها الذين تحبهم كثيراً، وتشفق عليهم من عذابات ما هم فيه. كانت أرجلها تألمها بدرجة لا يمكن لأحد ان يتخيلها!


2. التيه، وسقوط الأم وتمزق عبائتها الرخيصة

مر الوقت بطيئاً، والحافلة لا زالت منطلقة بعيداً عن وسط المدينة.

لكم صارت أمرأة قاسية؛ تغيرت كثيراً بعد فقدان زوجها، أصبحت باهتة ومنهزمة ومتبلدة وكارهة لكل شئ، للحياة. لم تحاول ان تترك المقعد قليلاً لأمها التى تتألم قدميها وهى لازالت واقفة؛ بل ولم تفكر فى ذلك أصلاً. لم تكن تشعر بها وبوقوفها وبألمها؛ كانت غارقة فى عالمها المسطح المُجهَد، الخالى من كل بهجة ومعنى ونشوى. والواقع هو أنها لم تكن تصدق أمها أبداً كلما كانت تئن وتشكى من ألم أرجلها. كانت تظنها كاذبة دائماً، ولم تكن تثق بها يوماً، وكانت تتوهم فى قرارة نفسها ان أمها تريد مجرد ان تجذب انتباهها إليها عن طريق إدعاء المرض والألم.

وحتى لو كان ذلك صحيحاً، وحتى لو كانت أمها تبالغ قليلاً أحياناً لجذب الانتباه، فإن ابنتها لم تكن حتى تفكر هكذا الأن، لكيما تطرد أى شك محتمل أو شعور غير مُستحَق بالعطف على أمها. كانت مُرهَقة بشدة مما عانته إلى الآن من ذهاب وإياب وروح ومجيئ. لكنها لم تفكر ان أمها كانت معها أيضاً فى كل لحظة من ذلك. كانت تشعر بأنها تفتقد سكينة البيت، وأنها حقاً، مجرد تريد ان تعود إليه، الآن!


وهكذا فخرجت أخيراً عن غيبوبتها ونظرت حولها. وانتبهت الأم لتيقظ أبنتها فاستيقظت هى الأخرى من غيبوبة الإرهاق والنعاس كذلك، وراحت تتطلع إلى أبنتها فى شغف، محاولة ان تتبين ماذا يحدث الآن. هل هم قد اقتربوا من مقصدهم؟ أم فاتتهم المحطة حيث كان ينبغى ان ينزلوا؟

وفوجئـَتْ بأبنتها تزعق بصوت عال ٍ، لا لأحد بالتحديد لكن بصفة عامة، سائلة ما إذا كانت الحافلة ذاهبة إلى حيث يقصدون!


والواقع هو أنهم لم يكونوا يقتربون على الإطلاق من بيتهم كل ذلك الوقت. كانت الحافلة تتحرك فى أفق المدينة، فيما هم كانوا يريدون أن يذهبوا فى اتجاه رأسى.

أدرك الكثير من الركاب على الفور أنها واحدة من هؤلاء البلهى المبتلين، الذين يضلون طريقهم تماماً وبشكل فيه فجاجة وغباء مُطبق. لماذا لم تسأل نفس ذلك السؤال، بحق الآلهة، أول ما صعدت الحافلة؟ ولماذا ظلت صامتة كل ذلك الوقت بعد ذلك؟ ولماذا كان عليها ان تنتبه أخيراً إلى الطريق وان تضيِّع كل ذلك الوقت والجهد، والمال كذلك، لكيما تعيد النظر فيما كانت تلك هى الحافلة المناسبة أم لا؟ وان كانت لا تعرف، فكيف إذن قررت من البداية ان تلك هى الحافلة المناسبة؟ ما هو الشئ الذى أوهمها بذلك، بالضبط؟ من أين كان لها بالوحى فى أمراً ليس فيه أى إلهام؟ أنه ليس شئ أخر سوى الغباء التام، والتخلف الاجتماعى الذى يوضع صاحبه بالضبط فى مثل هذه المواقف.

وعجيب كيف ان الهلع الذى يصيب المرء فى نزوله أو صعوده من الحافلة يتحول إلى هدوء واستكانة مطلقة مباشرة بعد الاستقرار فوق أرض الشارع أو داخل الحافلة. وهكذا فإن التجاهل الذى قابلاه من الناس أولاً عند منزل الكوبرى، تحول هنا إلى نقيضه تماماً، وفوراً أثار السؤال الذى اطلقته الإبنة حماسة متأججة فى القلوب، وصارت الإجابة عليه موضع اهتمام وبحث الجميع، حتى أولئك الذين لم يعرفوا شيئاً عن المكان الذى يقصدونه. أنه ذلك الشعور البسيط بالتعاطف، والذى عن طريقه يتمكن الناس بشكل حدسى كامل، وفورى، من الشعور بمأساة أو ابتهاج الأخرين. وهكذا، دلف الشعور بالتيه الكلى من الإبنة الى الآخرون واحداً بعد الآخر، معيداً أياهم إلى جو التوتر والهلع من جديد. وحتى السائق المنفعل ذو اللسان البذيء، والذى كان قد هدأ قليلاً، فقد أبدا تجاهها بعض التعاطف هى وأمها، بعد ان كان هو أيضاً واحداً من هؤلاء الذين أطلقوا تجاه الأم بعض العبارات غير اللائقة، محثاً أياها ان تسرع خطاها عندما كانت تسد باب الحافلة سداً.

ولم تنتظر الإبنة ثانية واحدة؛ فبعد ان تبينت من موسيقى الأصوات المتداخلة والمتشابكة التى ترد على سؤالها انها تائهة تماماً، انتفضت من المقعد صوب الباب مباشرة فى غير تمهل، غير مفكرة فى أنها ستوقظ أبنها من جديد هكذا. وبالفعل، استيقظ الطفل مفزوعاً من جديد، وبدأ الصراخ. أما أمها، فقد كانت فى زهول وارتعاد من هول الموقف، وكانت تشعر مع مرور الوقت، ومع ازدياد صعوبة الرحلة، بغياب أخر درجة من ثقتها فى نفسها، ومن قدرتها على تحمل الآتى. كانت دون أدنى شك، ودون أى كذب أو مبالغة، مُتعَبة بدرجة قصوى.

حاولت الأبنة التقاط أياً من النصائح والوصفات العديدة التى وجِّهت إليها من العديد من الركاب، ومن السائق كذلك، لكنها لم تفهم من تعقدهم شيئاً؛ لم تكن تعرف أى شئ عن أين هى الآن.


نزلت هى أولاً وهى تحمل أبنها فى يدٍ، وحقيبتها الممزقة والتى كانت قد عالجتها قليلاً فى اليد الأخرى. ولأن كلتى يديها كانتا مشغولتين، كان على أمها ان تهبط بكل ثقلها دون أى مساعدة. إن النزول أصعب وأعتى من الصعود، ذلك انه يحدث فى نفس اتجاه الجاذبية الأرضية، وبالتالى فإن مقاومة سقوط الجسم الثقيل تكون أصعب هنا. وبالفعل، فإن عضلات ومفاصل أرجلها كانت قد قامت اليوم بمجهود لم تقم بمثله منذ سنوات، وكانت قد وجدت حتى فى الوقوف طويلاً فى الحافلة، الكثير من الراحة والاسترخاء. أما الآن وقد اندفعت أبنتها نازلةً من الحافلة فى لمح البصر، دون ان تقول لها شئ كذلك، فإن على الأم ان تنطلق هى الأخرى، محركة بعضلاتها المرتخية كل ذلك اللحم الشحيم والجسد الثقيل. وانطلقت بالفعل صوب الباب، وتمسكت بما كان حولها من أجسام صلبة متناثرة هنا وهناك، وعانت كثيراً وحاولت، وهبطت الدرجة الأولى، فيما يبدو، بنجاح. لا تعجُّل هذه المرة، فقد خرجت الحافلة عن منتصف المدينة التى تعج بالفوضى، وهدأ روع الكثيرين بمن فيهم السائق، والذى كان الأن ينتظر بصبر نفس المرأة الشحيمة التى كاد ان يشتمها فى المرة الأولى، منعطفاً لمأساة تيهها هى وإبنتها. لكن لماذا تُسرع خطاها الآن وهى تهبط الدرجة الثانية؟ يا الهى، أهى تحاول ان تقفز من فوق الدرجة الأخيرة، ام ان عضلاتها تخور ولا تقوى على حمل جسدها أكثر من ذلك؟!

أه، يالا المأساة! لقد سقطت على الأرض فى ارتطام مدوى ومخزى؛ انثنا مفصلى ركبتيها رغم عن إرادتها، ومالت بمقدمة جسدها إلى الأمام فقابلت الأرض الترابية بباطن يديها وفمها المفتوح الذى كانت تتنفس منه أيضاً. وزحفت قليلاً إلى الأمام فوق الأرض فتمزقت عبائتها وثُقبت فى مواضع مختلفة. كانت عبائة ذو نسيج رقيق ورخيص، وكانت قد اشترتها جاهزة منذ زمن بعيد، وعالجتها بعد ذلك عدة مرات بالتطريز هنا وهناك، فاهترأ قماشها أخيراً بمرور الوقت. لم تكن واحدة من تلك العبايات ذى القماش الشديد المتين، الذى تلبسنه بعضاً من فتيات وسيدات الحى من ميسورى الحال؛ وكانت تعلم هى ذلك جيداً، ان تلك العبائة ستثقب على الفور إذا ما شبكت أو حكت فى أى شئ، أياً كان رقيقاً!

ويبدو أنها كانت تفكر فى نفس ذلك الأمر وهى تشعر بزحفها فوق الأرض! ذلك ان الارتطام لم يثير ألمها الجسدى بقدر ما جعلها تشعر بالخزى الشديد. وبالفعل فإن أول شئ فعلته بعد ان وقفت واستقامت من جديد هو أنها تفقدت حال عبائتها، وكانت على علم قريب بمواضعها المحددة الأضعف والأكثر اهتراءاً. وقد وجدتهم جميعاً ممزقين ومثقوبين بالفعل، وبأشكال ودرجات متفاوتة. كان التراب يغطى فمها ولسانها وأسنانها، شرعت تبثق وتسيل ذلك التراب مع لعابها. كان السائق قد ظل واقفاً كثيراً بعد ان سمع هو، وشاهد الأخرين من الركاب، المرأة الشحيمة وهى ترتطم بالأرض، وظل يتابع باهتمام تلقائى توابع ما حدث، فيما قد أثار الارتطام الركاب جميعاً دون استثناء، وجعلهم يتحركون من استتباب جلستهم أو وقوفهم، لكيما يشاهدوا حال المرأة بعد ما حدث لها، وكان بعضهم قد بدأ يطلق عبارات العزاء والتعاطف المعهودة. لكنها بعد ان وقفت واستقامت، وتبين للسائق أنه ما من أحداث قصوى أخرى ستقع الآن، انطلق بسرعة خاطفة وقد داهمه الوقت، فيما كان بقية الركاب لايزالوا محدقين النظر يشاهدون ما جرى. وتلقفهم الاهتزاز والتخبط وقد انطلقت الحافلة، وهم فى مواضع جديدة لم يستتبوا فوقها بعد.

***

لم يكن حولهم الكثير من الناس، وفور ان انطلقت الحافلة مسرعة بعيداً عنهم، تاركة ورائها ذلك العادم الأسود والرائحة الكريهة التى دائماً ما تتطاير معه، كان لابد من مرور تلك اللحظة الصعبة بين الأثنين، الأم وأبنتها. أما الطفل، فكان بين ذراعى أمه وكأنه غير موجود، لا يصدر منه أى صوت بعد ما كان يصرخ ويبكى. ويبدو أنه كان قد شعر بروع السقطة التى حدثت، وكان هو أيضاً، فى زهول مما حدث وعطف لمن حدث له ما حدث!

ينبغى تذكر ان الأبنة كانت إلى الآن، عنيفة تجاه أمها، وغير عابئة بوجودها منذ ان بدأت تلك الرحلة المشأومة. لم تكن تتخيل أن شئ مما حدث للتو كان يمكن ان يحل بأمها، وانها كانت ستضطر إلى التعامل مع مثل هذا الموقف. عجيب أمر هذه المرأة! كانت تشاهد منذ بدأت الرحلة أمها وهى تتصارع مع الجزء الأسفل من جسدها، وأن صراعها وألمها كان يزيد مع مرور الوقت. لكنها لم تشعر بأكثر من التعجب حيال ذلك؛ أمن المعقول ان تكون أمها شديدة الحرص على تقمص الدور أمامها إلى هذه الدرجة؟ أم أنها تستمتع بأدائه أمام الناس الآخرين والغرباء كذلك؟ كان يتسائل عقلها هكذا وهى تشهد صراع أمها دون ان يتأتَّى لها الجواب بنفس سهولة السؤال. وهى لم تحاول ان تبحث بنفسها فى حقيقة الأمر، ولم تهتم كثيراً. وحتى عندما سقطت أمها أمام قدميها، لم تتحرك عواطفها بقدر ما لم تتحرك يديها المشغولتين لمساندة أمها. ولم تعرف تماماً ما إذا كان الوقوع هو نتيجة طبيعية وصادقة لما كانت تشكى أمها منه طول الوقت، ام أنه مجرد صدفة بحتة أو مبالغة فى التقمص! وكان عقلها يأتى بها ويجيئ هكذا وهى تشهد أمها تقف أمامها من سقوطها المروع والمخزى, وترى بعينيها تمزق عبائتها وسيلان لعابها.

أما الأم، فقد تملك الغضب والشعور بالإهانة من كيانها. وقد كان لغضبها حضور قوى، نجح فى كبح جماح أبنتها ولو قليلاً. إن ابنتها مسؤلة عما حدث بشكل ما؛ ألم تكن هى من دفع أمها دفعاً فى تلك الحافلة التى كان ينبغى ألا يركبوها؟ وكانت هى أيضاً من انطلق مندفعاً منها إلى الشارع دون كلمة، محثة أمها على العدو ورائها، إلى ان انتهى الأمر بمثل ذلك السقوط المخزى والمهين. وعلى أية حال وأياً كان ما حدث، فلماذا كانت تتصرف معها بمثل ذلك الأسلوب السخيف والجاف منذ ان بدأت هذه الرحلة؟ لماذا تكرهها هكذا، وتتعامل معها وكأنها هى من أخذ زوجها منها!


لم يكن ذلك هو ما تفكر به الأم بعد ان وقفت من وقعتها، لكن هكذا كانت تشعر. “إنى مرأة طاعنة فى السن، ولا يجوز ان يحدث لى كل هذا!” كان ذلك الكبرياء الجسدى، الذى يأتى مع الكِبَر ومع اقتراب الشيخوخة. وشَعَرَت به إبنتها فى لحظتها وتأثرت بقوته، وتعجبت من وجوده فى أمها التى هى غالباً ما تكون ضعيفة وقليلة الحيلة.

وبصقت الأم ما كان متبقياً من أتربة فى فمها، وأخذت تنفض التراب من فوق عبائتها المُمزَّقة برفق وحرص شديدين لكيما لا تزيد الثقوب اتساعاً، وثبَّتت حجاب رأسها بعناية، وظلت صامتة لا يصدر منها أى صوت، يتكلم تعبير وجهها وعقوف حاجبيها بكل شئ.

لم يكن يُخجِل أبنتها فى هذه اللحظة حمل نفسها وطفلها وأمها على التيه، بقدر ما كان يُخجِلها ما حدث لأمها، وكيف كانت تعاملها طوال وقت الرحلة. كانت تشعر بالرسالة الصامتة التى كانت تشع من غضب وجه أمها. وكانت مستعدة تماماً الآن للعدول عن روحها المشمئزة والتعسة، وان تُظهر تجاه أمها بعض الرأفة والعطف، والمودة. والحقيقة هى أنها كانت فى عمق ذاتها أمرأة جميلة وخيِّرة، وكانت تحب أمها وولدها كثيراً. ولا أدرى تماماً ماذا حل بها وجعلها هكذا، قاسية وقاتمة ومنهزمة!

وضعت الشنطة جانباً على الأرض المغطاة بالتراب، وأخرجت منها منديلاً معطراً كانت أشترته منذ قليل من أحدى البائعات الجائلات بعد ان كانت ضاعت مع الببرونة بَكـَرَة مناديل التواليت التى كانت معها، واقتربت من أمها تمسح الجرح الطفيف الذى توسط باطن يدها والذى لم تنتبه له امها، وما تبقى من تراب ملتصق بأسنانها. ونجحت هكذا على الفور فى امتصاص غضب أمها، التى وقفت مستسلمة لأبنتها من جديد، تستمع كثيراً باعتنائها بها.


قد يكون من الممكن أن تكون الأم قد قالت لنفسها فى هذه اللحظة، كان جيداً، ان كل ذلك 
حدث!!”

3. فقد الأم، وبالتالى فقد الشنطة أيضاً، وتمزُّق الطرحة تماماً

صعدوا فى حافلة أخرى، تُشغـِّلها شركة أخرى غير تلك التى أتوا فى عربتها، وإن كانتا الحافلتان يشبها بعضهما كثيراً. كانت تسير فى الاتجاه المعاكس لذلك الذى كانوا ذاهبين فيه. كان يجب ان تفعل ذلك حسبما القليل الذى فهمته من وصفة السائق، اه، ذلك السائق الذى كان قد أثار انتباهها بشخصيته الفجّة القوية، وعضلات صدره وذراعيه الذين أثارا فى جسدها مشاعر صاخبة!

كان الهدف هو، ببساطة ان يعودا مرة أخرى إلى وسط المدينة، وان يجدا من هناك سبيلهم من جديد، فى الاتجاه الصحيح. كانت التجربة التى مروا بها للتو، ستجعلهم يجدون طريقهم الصحيح هذه المره. فلا يمكن للمرء ان يتوه بمثل هذه الحماقة، مرتين فى اليوم نفسه.

أخذهم المينيباس الذى استقلاه إلى موقف ما ملئ بالعربات والناس فى وسط المدينة، فى مكان ما من وسط المدينة! وبالرغم من وضوح ثقوب العبائة، إلا ان كل ما مرت به الأم اليوم كان قد جعلها غير عابئة بالأمر. والحقيقة هى ان الناس لم تلحظ واحداً من ثقوب عبائتها كما لم يلحظوا رثة قماشها واهترائه من قبل. كانت مرهقة وتعبة، وكانت هى الأخرى تريد ان تصل إلى البيت، الآن.

لكن ها هم، وقد عادوا إلى نقطة البداية، أو نقطةٌ ما فى وسط المدينة، شبيهة بتلك التى وقفوا عندها أولاً عند منزل الكوبرى. تمنت الأبنة ان يعودوا إلى نفس مكانهم الأول عند منزل الكوبرى، فانها كانت قد فهمت وتعودت نظام الحركة والاتجاهات هناك. أما الآن، فإن كل شئ مختلف، وهناك أكثر من مجرد اتجاهين متعاكسين تسير فيهما الحافلات؛ فإنهم يتداخلون ويتشابكون هنا فى تعقد مُربـِك. وهم إذ ينطلقوا بعيداً عن الموقف فيغيرون اتجاههم على الفور. وعلى كل حال، فليس هناك من شك أنها ستسأل أولاً أى حافلة بالضبط ينبغى عليهم ان يركبوها هذه المرة. لكنها لكى تفعل ذلك، ينبغى عليها ان تتوغل أولاً فى زحام الناس والعربات من جديد. وهنا تناولت أمها عنها الشنطة شبهالممزقة، لكى تساعدها بالفعل، ثم أنطلقوا معاً، إلى الزحام.

عاد كل شئ إلى ما كان عليه فى البدء، الفوضى العارمة والازدحام الحار والارتباك العصبى وطنين محركات الحافلات والعادم الأسود الذى يتطاير فى أرجاء المكان ويتخلله برائحته الكريهة. كان هناك صعوبة كبيرة مرة أخرى فى التحصل على إجابة شافية من الناس الحائرين، الذين لا يقفون فى هدوء ينتظرون ولكنهم يتحركون هنا وهناك خلف العربات ومن حولها، فى حيرة مستمرة وارتباك مضنى. وعلى كلٍ فكانت الأم تبقى دائماً خلف خطى إبنتها، التى راحت هى الأخرى تسعى خلف الحافلات هنا وهناك، تسأل من هم داخلها عن الطريق. ويالا العجب، فإن الناس وقد استكانوا داخلها، إلا ان أكثريتهم كانوا لا يزالوا يبدون فى حيرة وارتباك عظيم! أو فى إرهاق وانهاك كلى من جراء الذهاب والإياب حتى يصلوا إلى حيث هم الآن. وكان الكثيرين _الأغلبية ربما!_ لا يردّون عليها أصلاً، وكأنها لم تكن توجه السؤال إليهم بالرغم من أنها كانت تفعل. أما الآخرين فجائت إجاباتهم محيرة ومربكة كذلك، وغير شافية ومشككة.


وظلّوا هكذا طويلاً حتى انها كانت على وشك ان تيأس تماماً من العثور على دليل فى ذلك المكان البشع. وكانت تخشى ان تفعل ما فعلته المرة السابقة فيتوهوا من جديد. فاستجمعت قواها مرة أخرى، وانطلقت هنا وهناك سائلة مستجدية، إلى ان فوجِئَت برجل عجوز ينظر إليها مشيراً إلى حافلة تقترب من بعيد، محثاً أياها بإشارته ومن دون ان ينبث بكلمة واحدة، على الركوب فيها وكأنه كان قد سمع استرجائاتها المتتالية دون ان يتبرع بمساعدتها قبل الآن! وكان الرجل ذو لحية بيضاء ناصعة، وملامح وقورة وهادئة، وإن كان ردائه رثاً ومتسخاً وفقيراً. وكان مستكيناً ومسترخياً تماماً وهو يشير لها إلى الحافلة القادمة، وكأنه هبط إليها من السماء فى هذه اللحظة الحاسمة لينتزعها من عذابها هى وطفلها وأمها المسكينة. فشكرته على عجل وبدرجة من التعجب، ثم انطلقت مسرعة لتقابل الحافلة القادمة، والتى كان هناك جمعاً غفيراً من الناس يجرون إليها وكأنها قارب النجاة الذى أتى ليخلصهم جميعاً من الغرق المحتوم!

بالرغم من كل ذلك، كانت الأجواء بينها وبين أمها قد تحسنت كثيراً بعد ما حدث، وكانت كلتاهما يشعرنا بروح جديدة من التكاتف والمودة الحقيقية بينهما الآن. وهكذا نادت الإبنة أمها هذه المرة، وحثتها على شد الحيل وعلى المثابرة، وحاولت ان تحمل عنها الشنطة لكن لم تنتبه أمها لذلك حيث كانت تستجمع كل قواها البدنية والذهنية للحاق بخطى إبنتها المتزايدة سرعتها الآن.

واندفع الناس بلا رحمة، صوب باب الحافلة التى كانت لا تزال تتحرك بسرعة. وبدأ الصراع والاشتباك والتلاحم بالرغم من ان بعض الركاب كانوا لا يزالوا داخل الحافلة يريدون النزول منها. وكان هناك الكثير من العنف، والسباب، دون ان يكون هناك أى مشاجرة علنية. وعندما أقتربت الأبنة من الباب وأوشكت على الوصول، بدأت تشعر بهول ما يحدث حولها، وانها لم تعد تستطيع التحكم فى حركتها تماماً، وانها تندفع إلى الأمام بقوة طاحنة. وبدأت تشعر بقلق بالغ على طفلها الذى كان يصرخ وينتفض بعنف، ومن احتمال سقوطها به على الأرض، وكيف ان الأرجل سوف تخطوا فوقهما بقوة الاندفاع دون ان يستطيع أحد التوقف كذلك. ونَظـَرَت خلفها فوجدت أمها لازالت تحمل الشنطة فى يدها، وأنها تلهث من الصراع وقد ساد وجهها احمرار فاقع وخرج لسانها من فمها عدة مرات.

وعندما وصلت تماماً أمام باب الحافلة، ذلك الباب السحرى الذى يمتص الجميع داخله، وارتقت السلمة الأولى بقوة الدفع، كاد يختل اتزانها تماماً. لكنها تماسكت واتزنت, وحاولت ارتقاء السلمة الثانية، لكنها شعرت ان شئ ما يجذبها من خلفها ويعوق تقدمها، وكأنه يسحبها إلى الخلف. نظرت خلفها على الفور، فوجدت ان طرحة رأسها كانت قد شبكت فى مقدمة باب الحافلة. وفى اللحظة نفسها التى أرادت فيها ان تعود إلى الخلف لكيما تحرر طرحتها، انتبهت إلى السباب الموجه إليها، وأثار جنونها ان ذلك الذى يشتم تباطئها، كان رجلاً! وقبل ان تتمكن من فعل أى شئ وهى تحمل طفلها بيديها الإثنتنان بإحكام، شعرت بدفعة قوية أرغمتها على صعود السلمة الثانية برغم اشتباك طرحتها، وسمعت صوت التمزق وهو يحدث وشعرت بانزلاق الطرحة من فوق رأسها. وفيما هى تحاول ان تثبِّتها من جديد لكيما لا يتعرى شعرها، دُفِعَت دفعاً من جديد إلى السلمة الثالثة والأخيرة. وتمزقت الطرحة تماماً هنا، وانزلقت بالكامل من فوق شعرها الذى انفك من فوق رأسها، وانساب على وجهها وانسدل حول كتفيها. ونظر الكثير من الركاب _رجالاً ونساء_ إلى الحدث المدهش. يالا الخزى! يالا العار! لقد تعرى شعرها؛ وشرعت هى على الفور فى ثورة عصبية محاولة إخفائه بيديها. لكنها كانت لا تزال تحمل طفلها بين ذراعها وصدرها، وكان لايزال يصرخ، والدفع مستمراً، إلى الداخل، ثم إلى الحد الأقصى من الداخل. والتصقت بالآخرين وهى منشغلة تماماً بأمر عراء شعرها. وفور ان استقرت حركتها قليلاً حاولت ان تفعل شئ لكى تخفيه. كانت فى حالة من الهلع العصبى بسبب عراء شعرها هكذا، وكانت تحاول ان تستخدم يدها فى غير تريث لكى تخفيه. لكن ماذا يمكن ان يخفى شعرها المنسدل الآن، ولماذا!

يا إلهى، لكم تغير شكلها. ان الاختلاف ليس بالقليل، بل أنه تحول كلى. فإن ملامح وجهها الآن قد أصبحت أكثر اتساقاً واتزاناً بعد ان نزل وانساب شعرها خلفهم، وكأنه يضمهم جميعاً مع انسداله وانسيابه. وتظهر الأذنين من خلف الشعر المنساب فتأتى للوجه بعنصر جديد، يقلل من فظاظة الاستدارة ويوحى لوجوده المحض بجمالٍ جديد فى ذاته. يقل بروز الأنف، وإن كان الفم زائد النتوء، فإنه يصبح جميلاً بسبب ذلك، عندما ينسدل الشعر فى خلفيته. ويطوى الشعر كذلك بروز الحاجبين، وكل البقع الأخرى الموجودة فى الوجه، او نتوء عظام الوجنتين أو الجبهة.

كان شعرها طويل وممتد، وناعم. خصيلاته متداخلة، وتنتهى أطرافه فى بروز حاد ورشيق! واضح أنها صقلته بالعديد من الأشياء التى تضعها الفتيات فى شعرهن. إنها تستخدم الشامبو، والبلسم، وليس من النوع الرخيص. والكريمات كذلك، أنواع مختلفة منها. عجيب اهتمامها بشعرها إلى هذا الحد، وهم ليسوا من الأغنياء. وصبغته كذلك بحِنَّة نظيفة من ذلك اللون الأصفر المميز، الذى يتدرج إلى بُنى فاتح، ثم بُنى غامق فى النهاية. كان قد بدأ شعرها ان يتطاير أيضاً وقد انطلقت الحافلة، متيحة لبعض الهواء ان يدلف إلى داخلها.

هدأت قليلاً بعد ان لاحظت أن ارتباك معظم الركاب وهم يصعدون كان قد شَغَلَهُم عن مشاهدة ما حدث، وأن أولئك الذين شاهدوه، كانوا قد غضّوا النظر الآن. لكنها كانت قلقة من كونها تحولت إلى أمرأة جميلة، ومن احتمال تعرضها لأى من التحرشات التى تسمع عنها كثيراً من نساء أخريات، والتى غالباً ما تحدث فى المواصلات العامة ويجرؤ على ارتكابها رجال وشباب كثيرون، يعانون لهيب الحرمان الكلى من المتع الجنسية الحقيقية، وتصليهم نار افتقاد جسد المرأة الذى يروى عطش الروح والجسد معاً، وهم بسبب ذلك، ولأسباب أخرى كثيرة، يفقدون الشعور بقيمة الذات الإنسانية ويجدون فى مثل هذه الأفعال الشنيعة بعض المتعة أو كثير.


وفى هذه اللحظة تذكرت أمها، وكيف انها تستطيع ان تحتمى بها وبوجودها معها. وكانت تعلم أنه فى خضم المعركة التى مرّت للتو، نجح الكثيرين فى الصعود خلفها قبل أمها قليلة الحيلة. ولم تكن تستطيع ان تفعل هى أى شيئاً حيال ذلك، بسبب الصراع الآخر الذى كان يجرى فوق رأسها، أعنى سقوط طرحتها عن شعرها. لكنها كانت تظن ان تلك المرأة الشحيمة ذات العبائة السوداء المهترئة، التى كانت تقف على مسافة غير بعيدة منها، يفرق بينهما بضعة من الركاب الواقفين، هى أمها. وبالرغم من أنها لم تكن ترى وجهها، إلا أنها لم تشك للحظة واحدة ان تلك المرأة ربما تكون شخص آخر.

وكانت الحافلة قد قطعت مسافة كبيرة بعيداً عن وسط المدينة، التى خرجت منها سريعاً بواسطة العديد من الكبارى صعوداً وهبوطاً، ثم صعوداً وهبوطاً أخر، وهكذا! ومن جديد، أخذ الهدوء والاستكانة يحلا محل الهلع والارتباك والعصبية الهوجاء، وتَعَقَّل الناس بعد ان انطلقت العربة فى طريقها بعيداً عن الازدحام، فانتبه أحد الرجال الطيبون ان المرأة الواقفة بشعرها المكشوف هاهنا، تحمل طفلاً رضيعاً، وان التعب والاعياء يسيطرا على كلاهما، فوقف لها من مقعده فى مودة واعتزاز بعد ان كان يصارع الآخرين، وربما يصارعها هى أيضاً، فى عنف مطلق. وجلست هى وقد تناثرت خصلات رشيقة من شعرها فوق جبهتها وعينها، ولفظت للرجل هذه المرة بشكراً مقتضبة.

وعلى الفور، أشارت بسبّابتها منادية أمها لكى تقف بجانبها، وكانت تفكر بالفعل هذه المرة، فى ان تجلسها وتريحها من عذابها قليلاً، على ان تحمِّلها طفلها والشنطة معاً فيما هى جالسة. وشرع الناس ينظرون ويتطلعون إلى أمها، لكيما يفسحون لها الطريق بعد ان هدأوا جميعاً. لكن أحداً لم يرد على ندائها، فنادت الأبنة بقوة أعلى لكيما تثير انتباه أذن الأم التى ربما يكون قد تغلب عليها النعاس تماماً الأن، لكن المرأة لم ترد هذه المرة أيضاً، وأفسح الناس هنا الطريق تماماً بين الأبنة المنادية والمرأة الشحيمة، وكان بعضهم قد بدأ فى جذب انتباه الأخيرة لكيما تقترب من أبنتها. وانتبهت المرأة أخيراً، وأدارت رأسها فى اتجاه الشابة المنادية وفى وجهها بعض التعجب الممزوج أيضاً بالنعاس والانهاك. لكن ذلك كان هو الشبه الوحيد بين ملامح أمها وهذه المرأة، الانهاك والنعاس، وليس شئ آخر.

لم تكن أمها! ولم يكن وجه هذه المرأة شبيها بوجه أى انسان عرفته من قبل. وخصوصاً عندما يظن المرء انه يعرف الآخر، ويتبين ان الآخر ليس هو من ظن انه يعرفه، فإن الشعور بالصدمة من اختلاف ملامح الوجه، والشخصية التى تتمثل فى ملامح الوجه، يكون شديداً وعنيفاً. ولم يكن هناك فى وجه هذه المرأة أي أثر من البشاشة أو الروح المقبلة، أو الحنو، الذى يتميز به وجه أمها. كانت ملامحها ثقيلة ومترهلة، مثل جلد وجهها. وكان إجهادها وانهاكها يبدو وأنه من نوع مختلف عن ذلك الذى تتحمله أمها؛ فإن هناك نوع من المحاولة، أو المقاومة، فى انهاك أمها، أما هذه المرأة، فإنها مستسلمة تماما، وكأنها لا تشعر بافتقاد الصحة الجيدة أو حب الحياة أصلاً! وحسمت الأبنة أمرها فى هذه اللحظة العابرة، حيال تألم أرجل أمها، وشعرت أن أمها كانت دوماً صادقة.

انتفضت الأبنة مفزوعة من الصدمة، وقفت فور ان قعدت، واتسعت حدقتى عينيها بشكل ظاهر. نظرت خلف المرأة تتفقد ما إذا كانت أمها موجودة فى موضع آخر من الحافلة، وللمرة الأولى تعجبت من صمت أمها كل ذلك الوقت إذا ما كانت موجودة! وفى لحظاتٍ تَحَوَّل الشك إلى يقين، وعرفت تماماً عندما لم تجد فى الزحام أى أمرأة أخرى تشبه أمها، أنها لم تتمكن من ركوب الحافلة، التى كانت تنطلق مسرعة الآن، على مسافة بعيدة من وسط المدينة.

يا تُرى أين أمها الآن، فى هذه اللحظة؟ ولماذا لم تصعد إلى الحافلة؟ كانت خلف أبنتها تماماً، وكانت أقرب إلى الباب من ناس أخرين كثيرين؛ كيف لم تستطع الصعود؟ يا إلهى! هل هى بخير؟ هل حدث لها مكروه؟ هل دهسها الناس الصاعدون بلا رحمة؟

هكذا لعبت برأسها الأسئلة فور ان تيقنت من فقد أمها. ولم تكن تعلم تماماً ماذا عليها ان تفعل الآن. هل تعود إلى ذلك الموقف من جديد، بعد ان قطعت كل هذه المسافة أخيراً، فى الاتجاه الصحيح؟ وهل تكون أمها لازالت هناك، أم انها ربما ستتمكن من اللحاق بها؟ لكن كيف، وأرجلها تؤلمها فى كل لحظة هكذا. لكن تباً لذلك _من جديد!_ ان أرجلها ليسوا بذلك السوء الذى تدَّعيه هى! لكن هل يمكنها ان تعود إلى البيت بمفردها، على أية حال. يا ألهى! ان الشنطة كانت معها، بها كل شئ. لكن لحسن الحظ، فإن الإبنة تحتفظ دائماً بكيس نقودها ومفتاح شقتها فى جيب داخلى بعبائتها. لكنها كانت تدفع ثمن كل شئ منذ بداية اليوم، ولم تكن تحمل أمها أى نقود معها. كيف ستعود إذاً من هناك، هل ستلجأ للناس بعبائتها الممزقة، تتوسل وتتضرع لكى يساعدوها، حتى يحل الليل عليها وهم لازالوا يرتابون فى أمرها ولا يعرفون إذا ما كانت صادقة أم محتالة تدعى تيهها؟ يالا الهول! يالا المأساة!!


وخرجت الأبنة أخيراً عن ترددها هذا، الذى لم يستغرق أكثر من ثوان معدودة، وزعقت فى سائق الحافلة آمرة أياه أن يتوقف. أما هو فلم يفعل، وليس لأنه لم تعجبه صيغة الأمر، أو لأنه لم ينتبه مثلما انتبه الركاب الآخرين أنها تاهت وافترقت عن أمها، لكن لأنهم كانوا فى هذه اللحظة ينطلقون فوق كوبرى طويل وممتد، لم تكن ستستطيع ان تعود منه إلى حيث هى تريد. وانتبه السائق لذلك على الفور، وطمأنها قائلاً انه سيتوقف لها فى أقرب نقطة يمكنها فيها ان تجد مواصلات تذهب بها فى الاتجاه الآخر، من جديد، إلى وسط المدينة.


* * *

عندما عادت إلى وسط المدينة، فى حافلة أخرى، كان أوان العصر قد حل، ومالت الشمس قليلاً عن انتصاف السماء. كان أبنها يبكى بشدة من جديد، لم يكن يعرف هو الآخر مثل هذا الازدحام والضوضاء والانهاك من قبل. وكان جائعاً بدرجة جنونية بعد ان ضاعت الببرونة التى كان قد تعود امتصاص اللبن من حلمتها البلاستيكية. وتنبهت الأم فوراً لجوع أبنها، وعزمت على إخراج ثديها الملئان له فور ان تجد الوقت والمكان المناسبين.

وكان الناس المارين بها ينظرون إليها كثيراً. وتَخَيَّلـَت هى ان ذلك كان بسبب تعرّى شعرها، وظهور جمالها. لكن الواقع هو ان شكلها كان غريباً بالفعل، وانه كان يثير بالضرورة انتباه الآخرين إليه. ذلك أنه كان هناك تناقضاً كبيراً بين جمال وجهها وما يحيط به من شعر منسدل وبرَّاق، وبين سواد عبائتها التى تنزل من رقبتها إلى أسفل قدميها خافية بذلك جسدها بأكمله. لكنها كانت مشغولة تماماً عن كل ذلك، وكانت قلقة جداً على أمها، وحائرة لما إذا كانت ستعثر عليها أم لا، ومشتاقة بشدة، للقاها.

عادت إلى الموقف نفسه الذى كانت قد انطلقت منه منذ وقت طويل، وحاصَر روحها مزيجاً عجيباً ينطوى على اليأس والأمل معاً، والألم كذلك. وشهدت عندما وقفت أمام الموقف العربات والحافلات وهى تتزاحم من جديد، وان كان قد قل ازدحامها وتداخلها قليلاً، وشعرت ان العثور على أمها سوف يكون يسيراً، ثم شعرت أنه سيكون عسيراً، ثم تشككت بشدة أنها ستجد أمها لازالت تنتظرها هنا!

واخترقت الزحام بهمَّة، من جديد، وراحت تسعى هنا وهناك متخللة عادم العربات والحافلات بشتى أنواعها. ولَمّا أُحبِطَ إقبالها ومحاولتها، ولم تجد شيئاً على الاطلاق، دب القلق فى روحها، وزادت لهفتها على أمها وعلى معرفة ماذا يمكن ان يكون قد حل بها، وأين هى الآن. وتلفَّتت حولها ناظرة إلى الناس الذين كانوا يتلفتون هم أيضاً حولهم! أرادت ان تسأل أى شخص عن أمها. هل رأيها أحد؟ وهل يكون موجوداً إلى الآن وسط هذا الزحام لكى يخبرها ماذا حل بأمها؟ وهل تجده؟ أم ان أمها ربما تكون منطلقة الآن فى طريقها إلى البيت، بطريقة أو أخرى؛ فالناس الطيبون كثيرين، ولن يتركوا أمرأة مسنة هكذا دون ان يقدموا لها العون، بل ويوصلوها إلى بيتها بأنفسهم!

وهكذا، وقفت فى منتصف الموقف يلتهم الاضطراب عقلها واللهفة قلبها، وقد اكتنف جسدها الدخان والعادم والطنين وبكاء طفلها الذى كان يشعر بما تمر به أمه. وخيم على روحها قلقها البالغ على أمها، وشعورها بالظلم القاسى لما هى تعانيه الان، بحق.

وقفت لا تعرف ماذا يجب عليها ان تفعل الآن، وبكيت.



4. طريق العودة، وإرضاع الطفل

كانت الشمس تميل إلى الأفق بعد العصر، وكانت الأبنة البائسة راكبة فى أحدى الحافلات، التى انطلقت مجدداً فى ذات الطريق خارج وسط المدينة، وفى اتجاه بيتها على حدود الحضر. لا يمكن لأحد ان يتخيل مدى ثقل مثل هذه التجربة, دون ان يكون قد جربها بالفعل؛ أعنى ذلك الترحال المتواصل، الذى يبدأ دائماً من نقطة ما قاصداً نقطة أخرى بعيدة، ثم لا يصل إليها أبداً لكنه يعود دائماً، من جديد ومن جديد، إلى نقطة البدء. شعور قارص وسقيم، يصيب الروح باليأس والقنوط، ويقضى على حيوية البدن بالانهاك والضنى.

وحتى الطفل الرضيع، كان يشعر هكذا، وكان يبدو جلياً لأمه أنه يعانى كثيراً اليوم، وأنه ينام الآن فقط بسبب شدة البكاء، وأنه فور ان يستيقظ سوف يبكى من جديد.

وكان يجلس بجانبها فى الحافلة رجلاً، كان ينظر فى اتجاهها كثيراً منذ ان ركبت الحافلة، وكانت تشعر بحرارة الرغبة العارمة تشع من جسده إليها. لكنها كانت هادئة، ولم يتيح لها انهاكها ان تتوتر بسبب ذلك، بل على العكس، فقد مالت برأسها إلى الخلف وأغمضت عينيها فى محاولة للاسترخاء قليلاً، بالرغم من أنها كانت لازالت بعيدة عن بيتها، ولا تعلم تماماً أين ينبغى ان تنزل من الحافلة وماذا تركب بعد ذلك.

وعندما لم يفعل الرجل، على ما يبدو، أى شئ سوى التخيل؛ تمكن منها الاسترخاء الكلى، وذلك النعاس الطفيف الذى يمتزج فيه الحلم باليقظة أيضاً. وكانت لاتزال تشعر بحرارة جسده بجانبها، وعجيب كيف أنها عندما نعست، أخذها شبهالحلم بقوة إلى أحضان الرجل! واحتدم جسدها وتقشعر، وانطلقت مخيلتها تشخص لها ما يمكن ان تفعله بعد ذلك، وفعلته! كان كما الواقع لكنها كانت تعلم أنها تحلم، فتلذذت بعمق وشعرت بالكثير من الراحة. إلا أن انتفاضة بدن طفلها وهو يسعل، أعادتها إلى الواقع متيقظة إلى ما حولها. وعندما هدأ الطفل، نظرت هى هذه المرة فى اتجاه الرجل؛ عجيب، ها هو يجلس جانبها مباشرة، بلحمه ودمه، الرجل نفسه الذى كانت تفعل معه فى حلمهالا داعى للتفاصيل! وانتبه هو لنظرتها وظنها تستنفره وتحذره بأن يبقى بعيداً عنها. يبدو أنه كان يحلم هو الآخر، وظن أنها ربما قد شعرت بما كان يحلم به أو يتخيله أو كلاهما مثلما كانت تفعل هى. فانسحب خَجِلاً فى حركة فورية معلن الطاعة، وفهمت هى تحليلهُ لنظرتها، وتقززت من جُبنه وخجله، وشعرت بالقرف حيال الأمر برمته!

كان وجود الرجل قد منعها من إرضاع طفلها فى الحافلة. وكانت قد بدأت تعير ابنها المزيد من الاهتمام والملاحظة، ليس فقط لما أظهره من تألم فى هذه الرحلة إلى الآن، ولكن أيضاً لأنها كانت تشعر بوحدة رهيبة من افتراقها عن أمها، ومن قلقها المستمر عليها. وأعلم أنه يبدو شئ غريباً، لكنه حقيقى جداً؛ فإن الأم قد تشعر هى أيضاً بالأمان عن طريق الاحتماء بطفلها، وخصوصاً إذا ما كان ولداً! وهكذا فعلت، احتضنته تماماً، واقتربت بوجهها وخدّيها من وجهه وخده هو، وقبّلته مراراً. وكاد ان يتحول شعور الرجل تجاهها فى هذه اللحظة من الرغبة الجنسية، إلى اشتياق وحب.

وصلا أخيراً! ليس إلى البيت، ليس بعد، ولكن إلى منطقة ما شبيهة معالمها بما يوجد حول بيتها، وكانت قد مرّت بها وهى آتية لوسط المدينة. نزلت من الحافلة ونزل الجميع، فى هدوء لا يعرفه سكان وسط المدينة. وبالرغم من أنها لم ترى الترعة، إلا أنها اشتمّت رائحتها النتنة، والتى تشتمها كثيراً من بلكونة بيتها. وأحسّت بشعور قوى بالبهجة والطاقة؛ آه! ان البيت قريب! يمكن العودة إلى البيت من جديد!” ربما هكذا كانت تنتشى روحها بعد ان أشتمت رائحة الترعة وأعادتها بمخيلتها إلى هناء وهدوء وراحة البيت. “فقط إذا ما كانت أمى معى الآن!”، وهكذا تحسرت وانقبض قلبها من جديد.

وبالفعل، كان البيت ليس بالبعيد. لقد نبهها سائق الحافلة مشيراً بأصبعه إلى تجمع الميكروباسات التى تنتظر هناك. وهناك ذهبت، ولفظت بأسم منطقتها فأومأ لها سائق أحد الميكروباسات بالإيجاب دون اكتراث. لم يشعر بازدياد بهجتها وفرحتها، ولم يكن يعرف أى شئ، بالطبع، عن كل ما مرّت به اليوم. ولم ينتبه سوى لشكلها العجيب، الشعر المنساب والعبائة القابضة، الذين لا يليقا معاً على الاطلاق.

عندما دخلت الميكروباس الذى كان شبهفارغاً فى البدء، تخيَّرت مقعد منزوى بجانب النافذة فى آخر صف، لكيما تُرضع طفلها عندما تنطلق العربة. كانت هناك مشكلة كبيرة، وهى ان الطرحة لم تعد موجودة، شاهدتها وهى تنزل من تلك الحافلة المشئومة التى تاهت فيها عن أمها، ممزقة تماماً ومتسخة بقذارة أقدام أولئك الذين اندفعوا فوقها. لم يكن هناك شئ إذا تغطى به ثديها الذى _كما تفعل الكثير من النساء_ كانت ستخرجه من العبائة إلى فم الطفل ثم تغطيه على الفور بأطراف الطرحة المنسدلة بدل شعرها. لكن، ها هى الفكرة وقد جائتها الآن؛ فإن شعرها أيضاً، طويل ومنسدل، ويمكنها ان تغطى ثديها المكشوف بشعرها إذاً. ولسوف ينجح ذلك خصوصاً إذا ما استغلت فرصة خلاء الميكروباس الآن، وأخرجت ثديها وغطته بشعر رأسها سريعاً دون ان يرى أحد ذلك.

ولأنها لم تتخيل أن ضياع الببرونة كان ممكن ان يحدث، وكذلك ضياع أشياء أخرى كثيرة، ومن بينها أمها نفسها؛ فقد كانت تلبس الصديرية أو الحملات، _أو لنكون أدق ولكيما لا يحدث أى اختلاط_ كانت تلبس ذلك اللباس النسائى الداخلى المعروف بـالسونتيان، أو السينتيانأيضاً؛ يعرفه حضاراتكم على ما أظن! كانت قد اشترت ذلك السونتيان الذى تلبسه اليوم _وهى لديها الكثير_ منذ زمن بعيد بعد مرور عام على زواجها. كان هو ومعه فى طقمٍ واحد اللباس الداخلى الأسفل، الذى يخجل الكثيرين _حتى أنا_ من التلفظ بأياً من اسميه، أى الكلوتأو السِلِب“! وعلى كل حال، فقد كان طقماً رائعاً، ذو لون بمبى مصنوع من أجود الأقمشة ومطرز جيداً، وذو تشكيلات وحليات عديدة، بعضها صغير ودقيق ومطرز بعناية فائقة. والسونتيان أيضاً، كان مشغولاً كذلك بنفس تنميط حليات الكلوت، التى لا أظن أنها من تطريز آلات المصنع، ولكنها يد إنسان تلك التى وضعت الخطوط، وطرزت الخيوط، بعد عمل الآلات. كان ثمنه باهظاً، وغريباً أنها دفعت فى اللباس الداخلى كل ذلك وهى، مرة أخرى، ليست من الأغنياء. ويبدو أنها بشكل ما كانت تهتم بجسدها كثيراً، وأنها كانت تبالغ فى الاهتمام بنظافته ورائحته ولونه وشكله وقوامه؛ كل تلك الأشياء التى لا نعرف عنها شئ، حيث تحيط بها العبائة السوداء وتتحفَّظ على حقيقتها.

وهكذا، فقد كانت هناك عملية معقدة نوعاً ما عليها القيام بها. ولا تسئلونى حيث أننى لا أعلم، ماذا كان يدور فى رأسها بالضبط، وكيف كانت ستحرر ثديها من ربطة السونتيان الدقيقة. لكنها فعلت: فكَّت أزرار صدر عبائتها فى سرعة عصبية، وفى ثوانٍ ثلاث، كان قد انبثق ثديها الأيسر إلى خارج العبائة، محمل بلبن الطبيعة الذى يهب الحياة. وفور ان غطته بشعرها تماماً، وتأكدت ان شئ من سطحه المستدير لم يعد مرئياً، توافد الركاب جميعاً من كل جهة، وملئوا الميكروباس فى لحظات؛ وكأن قوة عليا كانت تمنعهم من الركوب إلى ان تنتهى هى من عملها السرى.

كانت عصبية لدرجة ما دون شك، بسبب خروج ثديها فى الهواء الطلق هكذا، وخصوصاً عندما لم تستطع ان تُجلس مرأة أخرى جنبها. فإنها إذا ما كانت صممت على ذلك، كانت ستثير الشبهات والاهتمام لها أكثر من ان تظل صامتة وكأن شيئاً ما عجيباً لا يجرى هنا! وعلى كل حال فالرجل الذى جلس بجانبها لم تصدر منه أى بوادر فاحشة، ولم ينم مظهره، بشَنَبه الرجولى العريض واستقامة ظهره وهيئته الصارمة، سوى عن الفحولة والنية الحسنة، ولم ينظر لها أو فى اتجاهها مرة واحدة، بالرغم من ان الكثيرين من الرجال الآخرين، حتى أولئك الذين أجلسوا أنفسهم فى المقاعد الأمامية، كانوا قد نظروا لها عدة مرات فى استدارة رأسية كاملة للرقبة!

لم يكن قد استيقظ طفلها إلى الآن، ولم يكن كل ما فعلته حتى اللحظة سوى الترتيبات اللازمة التى ستجعل رضاعة طفلها عندما يستيقظ أمراً ممكناً. ولكن ماذا إذا لم يستيقظ؟! وماذا إذا استيقظ ولم يكن مستعداً لاستقبال ثديها والرضاعة منه بعد ان كان قد تعود تماماً على التشبث بالببرونة بكلتا يديه؟ أليس ممكناً ان يحاول ان يتشبث بثديها بنفس الطريقة، وعندما لن ينجح فى التقاطه بأكمله وفى زعزعته والتحكم به كما يهوى وكما تعود تماماً، أليس ممكناً ان يبكى ويصرخ، وبأكثر عنف وثورة بسبب جوعه الجنونى الذى سيدفعه لارتكاب أشياء جنونية كذلك، لن يكون فى مقدور أمه ان تتوقعها وان تتعامل معها وتهدئ من روعه؟ وماذا إذا انكشف ثديها فى خضم كل ذلك؟ وكيف سيكون أمراً محرجاً بشدة، وكيف سيتصرف الرجل الذى يجلس بجانبها؟

جائتها كل هذه الأفكار تباعاً وهى تشهد العربة تمتلئ عن آخرها وقد استعد سائقها _غير المكترث بأى شئ!_ على الانطلاق. وتعجبت من نفسها ومن الموقف العجيب الذى وضعت نفسها فيه، مرة أخرى، دون أى داعى. وكيف أنه كان لها ان تنتظر قليلاً فتُرضع إبنها كما تشاء فى عزلة وهدوء البيت، أو ان تسقيه من اللبن المعلب الذى تعوده، فى ببرونته الأخرى الشفافة ذو الغطاء البمبى، التى طـُبِع عليها الدب بفروه، والفيل بزلومه، والأرنب يقرض بأسنان طوال جزرة عظيمة الحجم، غير العديد من النجوم والمكعبات والأشكال الكثيرة الأخرى. لكنه ذات الغباء المطبق والتسرع الأحمق الذى جعلها تتوه وتُـتيه معها أمها وطفلها فى نفس هذا اليوم. أو هو أيضاً حاجتها لأبنها وتمسكها به _فى هذا اليوم الصعب_ والذى يدفعها دون وعى لأن توفر له كل ما قد يحتاجه، هكذا!

على كل حال، انطلق الميكروباس، وسريعاً ظهرت الترعة بامتدادها الطولى، والذى يمتد بجانبه الطريق الترابى الذى تعرفه هى جيداً، والذى ينطلق فيه الآن _دون اكتراث كذلك_ سائق الميكروباس.

كان الطفل لا يزال نائماً، ولم يكن يشغلها عن النوم هى الأخرى سوى طيران بعض شعيرات رأسها التى تغطى ثديها، مع الهواء الذى كان يدلف إلى العربة من كل ناحية. وتخوفت من أنها إذا ما طلبت من أحد ان يقفل النافذة، قد تجذب الانتباه لنفسها بأكثر مما هو مُنتَبَه لها بالفعل، فاثرت الصمت. لكن عندما زادت سرعة العربة فوق الطريق المستوى، وانكشف ثديها للحظة فى انتفاضة فجائية لشعرها بفعل الهواء، طلبت على الفور بتلقائية عصبية، ان يقفل الرجل الذى يجلس أمامها نافذته. ولم يعترض الرجل، لكنه لم يتمكن من قفل النافذة. فبالرغم من أنه كان الزجاج الأصلى للميكروباس، الذى جاء مع العربة من مصانع البلاد المتقدمة، إلا انه كان هناك تقيُّح من قاعدته فى مجرى الكاوتشوك الذى كان قد غيَّره السائق عدة مرات بسبب تلفه المتكرر مع كثرة الفتح والقفل؛ فاعتذر لها الرجل وهو يدير رأسه إلى الخلف ناظراً إليها، وفزعت هى عندما فعل ذلك، حيث أنه من موضعه، كان يستطيع ان يميز ما يوجد تحت شعرها بسهولة أكبر، وتندمت على سؤاله الذى جذب الانتباه إليها بالفعل، وخصوصاً من قبل الرجال الجالسين فى الأمام، والذين نظروا مرة أخرى وكأن شيئاً هاماً جداً يحدث فى الخلف، كان عليهم ان يتابعوا تطوراته!

مشهد عجيب! أمرأة تجلس فى المقعد الخلفى الأخير من الميكروباس، شعرها مكشوف ومنسدل، مدهون بالكثير من الأشياء وجميل جداً، لكنها فى ذات الوقت تلبس من تحته العبائة السوداء التى تلبسها المنتقبات والمتسدلات ولابسات الطُرح الطوال، وبعد كل ذلك، يبرز ثديها الأيسر عارياً خارج العبائة، تغطيه بشعرها هذا، ولا تطعم به أبنها الذى يغط فى نوم عميق! حقاً، مشهد عجيب جداً!

نَظـَرَت من النافذة إلى الأفق، وأخذ عينيها انعكاس شعاع شمس العصر المتأخر، على امتداد بقعة خضراء كبيرة بشكل ملحوظ، يبدو ان زارعها يصمم على بقائها فى وسط العمران المحيط، ولا يأبه إلى العروض الكثيرة السخية التى ستجلب له الكثير من المال إذا ما باعها أو بنى فوقها بنفسه مجموعة من المبانى الجديدة. شيئاً عجيب كذلك، فإن الأرض الزراعية تكون ذو قيمة أعلى إذا ما كانت تطل مباشرة على مصدر مائى _كالترعة مثلاً_ وتأخذ منها مباشرة. أما العمران، فإن قيمته تكون أقل فى هذه الحالة؛ ذلك انه ليس هناك أى علاقة على الاطلاق بين المبنى الخرسانى ومصدر الماء، وأولئك الذين يسكنون قرب الترعة فانهم يعانون رائحتها النتنة وفقس الناموس الصغير الذى سينمو من دمهم فوق سطحها الراكد وصياح ذكور الضفادع من حولها مسائاً لإثارة الإناث! والناس الذين يسكنون فى مثل تلك المبانى يفعلون ذلك لأنها تكون أرخص من غيرها. لكن على أى حال، فإن صاحب هذه الأرض لم يفرط فيها إلى الآن _لكم عجيب_ ويمكن تخيله كرجل عجوز أو طاعن فى السن، كان قد جاء إلى هنا أو ورث الأرض عن أجداده، عندما كانت المنطقة كلها تنتعش بالخَضار، وعندما كانت تجرى تلك الترعة بعينها جالبة معها الطمى إلى تلك البقعة التى لا زال يزرعها إلى الآن. وقليل هو الشك فى ان أولاده، وأحفاده، وربما أصدقائه ان كانوا لا يزالون أحياء، وعموماً الكثيرين مِن مَن هم حوله، يريدونه ان يبيعها ويستحثونه على ذلك، وأنه كلما ظل يرفض كلما ازداد مرضه كذلك. عجيباً كيف أنه فى خضم وفى حصار كل هذا العمران، صار الوجود المحض للأرض الخضراء البريئة من كل عنف وكل تقلص، يوحى بكل هذا القدر من الإصرار، والتصميم، والمقاومة التى لن تستمر طويلاً!

***

كاد أن يأخذها ذلك اللون البرتقالى المحمر الذى كان ينعكس على أخضر شتلات الأرض، ممزوجاً بشكل ما مع طنين محرك العربة، إلى عالم النوم والأحلام. لكنه حدث أخيراً، وكما توقع حدسها بالفعل؛ استيقظ طفلها جائعاً نشطاً، هائجاً لا يعرف رحمة لأحد، ينتوى البكاء والصراخ المفزع، وتمزيق أياً ما كان سيأتى فى قبضة يده. لكنه عندما أمسك فى حركة تلقائية بثدى أمه الذى كان قد رطبه الهواء كثيراً، أدرك على الفور أية هدية سماوية تلك التى نزلت عليه، وربما لم يأبه إذا ما كان ذلك ثدى أمه أم ثدى أمرأة أخرى! تخيلوا، ان يستيقظ أى شخص من النوم فى حاجة شديدة لشئ ما، أياً كان ما هو، ثم يجده على الفور متدلياً فوقه ينتظره! يا الهى، أنه شعور رائع؛ وقبل ان يتمسك به المرء ويستمتع بوجوده، فانه لن يفكر من أين جاء ومن جاء به و، أخيراً، ما إذا كان يخص شخص اخر!

وهكذا فعل الرضيع؛ ولم يهتم كما تحسبت هى بإن يلتقط ثديها مثل الببرونة وأن يلعب به كما يهوى، لكنه وفى لمح البصر انهمك فى الشرب وتعمق، ولم يعى من الوجود أى شئ آخر، سوى الشعور بالهناء. لكنه بعد ان تجرع الكمية الكبيرة الأولى دفعة واحدة، فوجئ، أو بالأحرى صُدم من تغير طعم اللبن ورائحته وملمسه، عن اللبن المعلب الذى كان قد اعتاد شربه لوقت طويل. فانقلب المص النهم فجأة إلى طرد وبثق عنيف، واندفعت كمية كبيرة من اللبن إلى خارج فمه فتبلل شعر أمه والتصق منساباً متعرجاً فوق ثديها الذى تبلل باللون الأبيض كذلك. ونتج عن ذلك الكثير من الطرطشة فاندفعت نقطتان أو ثلاث فوق يد الرجل الذى كان يجلس بجانبها وتبلل بنطاله القماشى ببقعة كبيرة فوق فخذه. وعلى الفور فطن الرجل لما يحدث بجانبه، وانتفض وتقشعر بدنه وارتعش شنبه العريض، وارتبك فى جلسته وانتصب أكثر مما كان منتصباً، والتفت إلى الجانب الآخر وكاد ان يحتضن ويجلس فوق الرجل الآخر الذى كان يجاوره من الناحية الأخرى لكيما يترك لها المجال خالياً، هى وثديها وشعرها المكشوفين! أما هى فقد تملك منها الخجل، ولم تجد مفر من أن تعتذر للرجل، وهكذا فعلت، وإن كانت فى نفس اللحظة شرعت تجفف شعرها المبتل فوق ثديها، فبدت للرجل الذى نظر لها بطرف عينه فقط، وكأنها تتحسس ثديها فيما هى تعتذر له! فغض نظره تماماً، ولم يصدر منه كرد فعل لاعتذارها سوى ان يرعش شنبه من جديد وقد انتابه الكثير من الارتباك، وربما الهلع أيضاً!

والتقط طفلها ثديها من جديد، بعد ان هيّأ نفسه للبن الجديد، أو القديم بعد ان تمكن من تذكر طعمه. وانهمك فى التجرع من جديد. ومرة أخرى، جائتها الفضيحة من حيث لم تتوقع؛ فإن الطفل كان يتضور جوعاً، وعطشاً، وألماً؛ وعندما وجد الجنة أخيراً، دخلها كافراً! وكما ذكرت فان الطفل كان قد بدأ يكبر، وكان على وشك الفطام، وكان قد انبثق من لثة فمه سنتين هنا وسنة هناك؛ وفيما كان يمص ويمص فى شغف ونهم، كان أحياناً يطبق فمه بعنف فوق حلمة ثدى أمه كما كان يفعل دائماً فوق حلمة الببرونة البلاستيكية ذات اللون البنى، فكادت أمه ان تتأوه، وحتى تصرخ، من شدة الألم. لكنها وان كانت قد تحملت الألم ولم تصدر صوتاً، فانها لم تستطع ان تمنع تلقائية جسدها بأكمله من الانتفاض فى كل مرة كان يطبق فيها على حلمتها. وانتبه رجل الشنب من المرة الأولى للرعشة الجنونية التى قامت بها المرأة بجانبه، لكنه تمكن من غض النظر وان كان قد انتفض جسده هو الآخر دون ان يكون هناك أحداً يطبق على حلمته!

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففور ان استتب أمر الطفل وهو يرضع، وبعد ان أروى عطشه وجوعه القاسى، شرع يستكمل الآن بدرجة من التمتع والتمزج. وكان قد فعل ذلك كثيراً من قبل وفطن إلى ان ذلك يحدث عندما يفتح فمه قليلاً بعد كل مصّة، أو ببساطة أكثر، أن يشفط بدلاً من ان يمص!

لا يخفى على حضراتكم طبيعة الصوت الذى ينتج عن ذلك؛ فإن اللحظة التى ينفصل فيها اللسان عن باطن الفك العلوى بعد ان كان ملتصقاً به، تتسبب فى اطلاق صوتاً فريداً جداً يعلم مكنونه الجميع. وهكذا، شفط الطفل مرة فاستمتع، وشفط أخرى فتمزج، وظل يشفط مراراً فظل يتمتع ويتمزج! وهكذا، علا صوت الشفط فوق صوت طنين محرك العربة، ولم يكن الرجل المبتل هو الوحيدة الذى أدرك ان ثمة فضيحة من نوع ما، تحدث هنا فى الخلف. وأطلق بعض الركاب من الرجال قهقهات خافتة أو مسموعة، ولم تتمكن بعض النساء من حجب ابتسامتهن. أما هى فظلت تجلس فى قلق وحرج من أمرها، بالرغم من أنها كانت تستمتع من قبل عندما كان يفعل طفلها ذلك وهو لا يزال حديث الولادة، دون أى أسنان يعضها بهم.

عجيب كيف ان شعورها بكل ذلك كان سيتغير كثيراً اذا ما كانت تغطى ثديها بالطرحة. فإن شعورها بالخجل والحرج والقلق كان سببه بالأساس هو أن شعرها كان مكشوفاً، وأنها كانت أمرأة مختلفة بسبب ذلك. وكان سيحق لها ان تفعل كما تفعلن الكثير من النساء من إرضاع أطفالهن فى الأمكنة العامة، وأن تشعر بانها أكثر قبولاً عند الآخرين، اذا ما كان شعرها مستوراً، أى محتجب؛ وهنا، كان سيكون ثديها محتجب هو الآخر بطريقة مقبولة. أما ما كانت تفعله هى، فانه كان بمثابة تغطية العورة بعورة أخرى، وهو ما كان يجعلها تشعر بانها كانت تجعل كلا من شعرها وثديها أكثر وضوحاً وبريقاً وظهوراً، بدلاً من اي يكونا أكثر اختفائاً.

وعلى كل حال فالأمر لم يتعد قهقهة الآخرين من الركاب، وكان السائق لايزال ينطلق دون أى اكتراث لما يحدث خلفه ولأى شئ على الاطلاق, والرجل ذو الشنب العظيم لا يزال ينزوى بعيداً عنها فى حرج وزهول. وها هو طفلها قد كف أخيراً عن استباحة ثديها، ليس لأنه شعر بخجل أمه، ولكن لأنه بدأ ان يعود إلى النوم والاستكانة من جديد بعد ان شبع وتمتع وتمزج تماماً. وشعرت أمه بنعاسه يزيد كلما كانت تقل قوة امتصاصه واطباق فمه على حلمتها. وكان وكأنه يأخذها معها فى عالمه هو، فاستسلمت له برغم كل ما ابتلاها به من فضيحة!

لم تأبه، وذهبت معه، رويداً رويداً، بهدوء، وسكينة، واسترخاء، إلى عالم النوم.




5. حادث الميكروباس، وموت الطفل، وخلع العبائة

عندما استيقظت من النوم _أو من ذلك الذى هو أعمق من النوم!_ كان هناك هدوء مريب ومروع من حولها، ولم يكن يصدر من الميكروباس الذى توقف تماماً ومن ركابه أى صوت. كان الصمت يعم المكان، وكان هناك الكثير من الدخان ورائحة شئ يحترق. أما هى فلم تكن تشعر بالألم، وفى الحقيقة أنها لم تكن تشعر بأى شئ؛ كانت فى حالة من التبلد والبرود المطلقين، الذين لا يمكن لأى شئ ان يتغلب عليهما وان يعود بها إلى الحياة من جديد. كانت وكأنها الآن، دون أى مشاعر على الأطلاق!

كانت قد استيقظت مرتين من قبل، فى المرة الأولى أيقظها ذلك المطب الذى عبر من فوقه السائق الذى كان ينطلق الآن بسرعة جنونية، وقد شمله هو أيضاً النعاس كما شمل الكثيرين من الركاب، والذين شرعوا يهمهمون فى استياء بعد ان قـُذفوا جميعاً من فوق مقاعدهم وأُطيح بسلام نومهم، دون ان يوجه أحد كلمة واحدة للسائق الذى كان سيستيقظ هو أيضاً، منقضاً على من ينتقده بعدوانية وعنف، وربما كان سيوقف الميكروباس ويلقى به فى منتصف الطريق دون ان يكون فى مقدور احد ان يفعل شئ حيال ذلك! أما هى فلم تعلم اذا ما كانت تحلم بأمها أم ان أمها كانت أول شئ يجيئ على بالها فور ان استيقظت. وأياً ما كان، فانها شعرت بانقباضة ووخزة عميقة فى قلبها وقد ارتأت لها أمها فى عبائتها السوداء الممزقة، وهى تجول باكية تائهة فى شوارع منتصف المدينة على وشك الانهيار. لكنها عادت إلى النوم على الفور، وهكذا فعل الآخرين والتى أخذت تقل همهماتهم سريعاً وتدريجياً الى ان عاد الهدوء من جديد.

أما فى المرة الثانية، يا ألهى، ويالا روعى، وروعها أيضاً، وروع الجميع، فإن كل شئ حدث فى لمح البصر؛ انتفضت مفزوعة على صوت زمير أحد التريلات التى كانت وكأنها تحيط بعربتهم، وظل يعلو صوت نفيرها بسرعة خارقة. وفور ان فتحت جفنها وقبل ان تتمكن من رؤية ما يحدث، سمعت صوتأ كما الانفجار، ونصف صرخة مدوية من هنا أو هناك, وشعرت بجسدها يندفع بقوة جنونية إلى الأمام, وكان ذلك هو كل شئ!

كان الارتطام مروعاً، عندما استيقظت كان لا يزال صوته المدوي يتردد فى أذنيها، وكان يسبب لها ألماً لا يُحتمل فى الرأس. وكما ذكرت، كانت متبلدة تماماً وخالية من أى شعور! وكانت تظن أنها مجرد لحظة خاطفة، تلك التى مرت منذ ان وقع الحادث المروع؛ لكنها عندما نظرت حولها وعاينت الموقف، فطنت إلى أنها كانت غائبة عن الوعى لبعض الوقت. كان الرجل الذى يجلس بجوارها متكوّم الآن فى انحنائة قصوى، أسفل المقعد الذى كان أمامهما، وكان هناك الكثير من الدماء والزجاج المهشم. لم يكن هناك أحداً يتحرك، لم يكن هناك أحداً مستيقظاً! ونظرت أمامها فرأت الزجاج الأمامى مهشم تماماً، وبقع كبيرة من الدم المنساب من حول الدريكسيون تقود جميعها إلى شخص ما يبدو وأنه هو السائق، كان يميل إلى الأمام تماماً لا يظهر منه سوى ظهره ومؤخرته.

شئ ما جعلها تتحسس فمها بلسانها، فأدركت أنها تنزف، من فمها ومن أنفها و، شعرت أنه هناك جرح فى مكان ما فى رأسها كذلك. لم تكن قد تحركت بعد، أو حركت أى شئ من جسمها غير لسانها إلى الآن. أرادت ان تنهض، فشعرت على الفور بألم ليس له من مثيل، يشل عضلات فخذها الأيسر. صرخت من شدة الألم، ونظرت فأدركت أن مقعدها كان قد تقدم بأكمله إلى الأمام ملتصقاً بالمقعد الذى أمامها، وأنها محشورة تماماً بين المقعدين من فخذها.

أعياها الألم الفظيع، فجلست فى مكانها دون حركة، ورفعت ذراعها إلى رأسها فوجدت ان الكثير من الدم كان لا يزال ينساب من جرح عميق فى أعلى رأسها متخللاً شعرها وينقط دماً من أطرافه. نظرت إلى جسدها وإلى فخذها وتصورت أنها ستظل هنا إلى ان يخلصها أحداً ما من سجنها المؤلم هذا. فجلست، وأغمضت عينها، ولاح السؤال بنفسه لها: أين طفلها؟

لا نستطيع ان نقول أنها شعرت بالقلق حيال إجابة هذا السؤال، ذلك أنها بعد ان عادت إلى الوعى، لم تكن تشعر بشئ على الاطلاق. لكنه كان نوعاً من الطاقة، ذلك الذى نتج عن هذا السؤال، وجعلها تتمكن من دفع المقعد الأمامى بقوة خارقة؛ وفيما كانت تحاول ان تنهض واقفة سريعاً، لكيما تخلص نفسها من الانحشار، أعاقها انشباك أطراف عبائتها أسفل المقعد. فدفعت جسدها بقوة محاولة تمزيق أطراف العبائة فمزقت البعض ولم تفلح فى تمزيق البعض الآخر. ولم يكن هناك أمامها حل فى هذه اللحظة سوى ان تتخلص من عبائتها عن طريق ان تخلعها، او بالأحرى، ان تخلع نفسها منها, وهكذا فعلت، واطلقت صرخة مروعة من شدة الألم وهى تحرر نفسها أخيراً، ثم ظلت واقفة فوق مقعدها تلطقت أنفاسها.

كانت تعلم الإجابة، وكانت تعرف جيداً، ماذا حدث بالضبط فور ان اندفعت إلى الأمام وهى تحمل طفلها فوق حجرها. لم يكن هناك اختيار، لم يكن هناك أية فرصة، لحظة واحدة، لكى تحاول ان تحمى طفلها. والواقع هو أنها إذا كانت حية الآن، فإن ذلك يكون بفضل طفلها، نعم، طفلها هو من حماها وأبقى على حياتها التى لازلت تنعم بها إلى الآن فيما قد مات كل الآخرين؛ ذلك أنه كان هو من أخذ الصدمة كلها، وكانت قد تكورت هى خلفه، رغماً عن إرادتها، تدفعه دفعاً وراء خلفية المقعد الذى كان أمامهما. وهكذا، كان أبنها بمثابة الوسادة الهوائية التى تحمى السائق من الارتطام بعجلة القيادة فى مثل هذه الحوادث المروعة.

يالا المأساة. يالا الأسى! لكنها لم تكن تشعر هكذا! كانت قد تحولت إلى جماد، وربما فى نفس تلك اللحظة التى أدركت فيها أنها تقتل طفلها الآن، وانها لا تستطيع ان تفعل شئ لتوقف نفسها.

وبالرغم من أن هلاك طفلها كان أمراً جلياً، إلا أنها شرعت _بلا روح_ تبحث عنه. كانت الفوضى داخل العربة ليس لها من مثيل، وكانت الأجساد تستلقى فى كل مكان فى أوضاع مريبة وانحنائات وتكورات وتكومات قصوى. لكنها عثرت عليه على الفور ودون عناء، بغض النظر عن ألم فخذها الذى كان يعذبها كلما قامت بأقل حركة. كان قريباً منها، مثلما كانا وهم ينعمون معاً، وهى تقبله فى شتى أنحاء وجهه، وهو يتلاعب بثديها وحلمتها، وكل هذا! وجدته الآن، أسفل قدميها، تحت مقعدهما. حملته من الأرض وهى ترتعش قليلاً. وعندما وجدت ان جسده كان بارداً كما الثلج، تركته على المقعد، ولم تشعر، ولم تفكر، سوى فى انها كانت غائبة عن الوعى، لوقت طويل!





6. السباحة فى الترعة، تمزيق الكومبيليزون والملابس الداخلية، والاغتصاب

بالفعل، كان قد مر وقت طويل وهى غائبة عن الوعى. وعندما خرجت من الميكروباس المشأوم، كانت الشمس قد نزلت خلف الأفق للتو، وكان ذلك اللون الأحمر الحزين، ينساب فى أفق السماء.

وقت عجيب، له روح وتأثير خاص جداً، ليس له من مثيل وقت الغروب. يصير هناك للسماء حضور مريب، وخصوصاً عندما تـُشاهَد وهى فى خلفية الأشجار والنخيل، الذين يصير لهما هم أيضاً حضور عجيب فى هذه اللحظة. ذلك اللون الذى يكون فى السماء، وكيف أنه يتغير بشكل ملحوظ، يلمس الروح ويحرك الوجدان. أن الأرض تدور، والشمس تغيب. سوف يحل الظلام بعد قليل؛ وكانت هى لا تزال داخل الميكروباس المشأوم. كانت تلبس أسفل العبائة ذلك اللباس النسائى الداخلى، الذى يُطلق عليه، كومبيليزون“. وهو رداء له شكل الفستان القصير، ذو قماش خفيف وناعم، ويُصنع فى ألوان عديدة بالرغم من أنه قد يكون شفافاً، وتلبسه بعض السيدات أيضاً فى الصيف، كرداء بيتى؛ يعرفه حضراتكم! وكان ذلك الكومبيليزون ذو لون أبيض وشفاف، وقصير بشكل خاص حيث لا يتعدى النصف الأعلى من الفخذ. وكانت قد رأته ذات يوم وهى تتبضع فى السوق تلبسه أحدى المانيكانات التى لا تفوقها جمالاً بأى حال، فجذب انتباهها على الفور. وكان ثمنه باهظاً بأكثر من اللازم فاعترضت للبائعة على سعره وكشرت لها وصرفت النظر عن شرائه. لكنها بعد شهرين، لم تتوقف فيهما عن التفكير فى جمال جسدها وهى تلبسه، وكيف أنها ستجعل من زوجها رجلاً مجنوناً أحمقاً، هائج كما الثور، عندما يراها وهى مرتدية أيّاه، وكيف أنه سيلقيها أسفله ممتطياً أياها بعنف وضراوة فى ذلك اليوم، مشعلاً بها النار التى ستتلذذ بسيرانها فى جسدها ذهبت مجدداً خصيصاً لشرائه، وهى تبتسم هذه المرة.

ولست أعلم لماذا كانت ترتدى ذلك الكومبيليزون فى ذلك اليوم بالذات، وربما يكون ذلك لأنها _بعد فقد زوجها_ لم تعد تحسبه كومبيليزوناً فريداً، وأنه يُلبس لمناسبات بعينها دون أخرى. لكنه على كل حال مشهد عجيب! يا له من مشهد عجيب هذا!! فى منتصف الطريق، ومن قلب حادث مروع، تخرج فتاة رائعة الجمال، شعرها منساب ومنسدل، ولا تلبس سوى الكومبيليزون الذى يكشف جمال ثنايا وخبايا جسدها الألهى، والملابس الداخلية التى تغطى أكثر المناطق إثارة وبالتالى، تزيدها إثارة! تفتح باب الميكروباس المنحشر بعنف، ثم تقفز منه إلى الخارج وهى تصرخ من شدة ألم فخذها العارى، ويسيل الدم من رأسها وأنفها وفمها. يا له من مشهد ليس له من مثيل!!


وأقول انها رائعة الجمال لأن ذلك، أصبح شيئاً نستطيع ان نراه الآن، بعد ان كان مستتراً خلف العبائة. يا ألهى: كان جسمها متناسقاً وممشوقاً لدرجة الكمال؛ كانت رقبتها ممتدة وطويلة بشكل ملحوظ، تنتهى بعظمتى الطرقوة التين تبرزا عندها كما كثبان الرمال الناعمة فى الصحراء. وتمتد إلى أكتاف رقيقة وناعمة، منثنية بهدوء ورشاقة. وذراعيها كذلك كانا مثل كتفيها، يمتازان بالنعومة والرشاقة، وينتهيا بيدين جميلتين ذى أصابع قصيرة ولعوبة. وكان ينتصف صدرها النهدين الذين كنا رأينا ماذا فعل طفلها بالأيسر منهم. كان السونتيان المبمى يبرز بمعالمه من أسفل الكومبيليزون، ويوحى بأن ذلك الذى يتكور داخله هو النعيم والهناء والجنة بعينها! كانا نهديها كبيرين، وربما لأنها كانت لازالت تُرضِع؛ وكان يلتوى ويستدير طرفيهم الداخليين تجاه بعضهما خارج قماش السونتيان فيثيرا خيال المشاهد لاستكمال الدائرة الجميلة، والحلمة التى تنتصف الدائرة. خصرها ممشوق ومتماسك، كما المخروط، وناعم أيضاً؛ ينتهى من عند أسفل بطنها الصغيرة _المستديرة واللذيذة_ بالكلوت، الذى يطوى داخله، ، أه، لا أعرف كيف ان أوصف، لكنه شيئاً جميلاً ورائعاً! ومن الخلف، تبرزا فلقتى مؤخرتها الصغيرتان بشكل ظاهر خارج قماش الكلوت، وفى استدارة كاملة وانحنائة قصوى؛ ليس هناك من اختيار فى ان يثير سطح مؤخرتها المستديرة الشهوة العارمة! ثم يمتد فخذيها الرائعين من تحت الكومبيليزون، إلى ان تبرز هاتين الركبتين الصغيرتين، اللتين تبدوا وكأنهما من صنع نحات ماهر. ثم تتكور ثِمَّانتيها الصغيرتين فى جمال ساحر، ويمتد على الأرض قدميها ذو الكعب الصغير المنمنم، الجميل، والأصابع القصيرة الخلابة. تلك هى الصورة، الصورة الرائعة، ولا يشوهها قليلاً سوى عرجتها وهى تمشى، بسبب ألم فخذها المروع.

لم يكن هناك أى شخص من حولها، كان المكان كما وأنه فارغ تماماً. وعندما خرجت من محيط الحادث المروع، وجدت نفسها تخطو بعزم إلى الترعة. كان بيتها قد أصبح قريبأً جداً، وكانت ستصل إلى هناك، أخيراً، فقط إذا ما مشيت مسافة قريبة جداً. لكن الذى كان يقف بينها وبين بيتها الآن، لم تكن تلك المسافة القليلة، لكنها كانت الترعة نفسها؛ كان بيتها على الجانب الآخر من الترعة.

لم تكن تشعر بشئ، ولم تكن تأبه لشئ. وفوق كل ذلك، كان جسدها يتقدد بالحرارة والسخونة. ووقفت هناك فوق الترعة مباشرة، فى احمرار غروب الشمس، تنظر إلى قذارة المياه واتساخها، وتلمح وجهها فى الانعكاس الذى يكون واضحاً وقت الغروب. أن وجهها صار كما الجماد، ليس هناك من تعبير، ليس هناك من شئ يمكن استنباطه على الاطلاق. يا ألهى، ان شئ مثل ذلك يوحى بقوة ليس لها من مثيل، واذا ما نظر المرء فى عينها، فان الفزع سيصيبه.

ولا أعلم فيما كانت تفكر، وإذا ما كانت تفكر فى أى شئ على الأطلاق فيما كانت تحملق فى انعكاس وجهها فى المياه القذرة. لكن أه، ها هنا؛ لقد قذفت بنفسها دون اكتراث ودون تأهب! وكان لون المياه يميل إلى الإخضرار من أسفل سطحها. وبالرغم من أن رائحتها كانت لاتزال نتنة، إلا أن القليل الذى دلف داخل فمها بعد ان غطست، أوحى ان طعمها كان ينطوى على درجة من النضارة والعذوبة! وانبثقت رأسها من تحت سطح المياه الراكدة وقد تبلل شعرها وصار ناعماً يبرق فوق رأسها وكتفيها. وشعرت فى لحظة الغروب ببرد الماء القارص وهو يسرى فى جسدها، فانتابتها نوبة من ضيق التنفس والارتعاش فيما هى تسبح. ومدت يديها سريعاً لكى تمسك بالطمى الذى كان يتكوم على طول الضفة الأخرى؛ وهكذا فعلت، وحاولت الصعود عدة مرات، إلا ان ألم فخذها وضعف عضلاته كان يجعلها تسقط مرة أخرى تحت سطح المياه. وظلت هكذا تحاول عدة مرات وهى تتأوه من شدة الألم، إلى ان وجدت أخيراً تجمعاً صامتاً من عيدان الخوص منبثقة من الماء على مسافة قريبة منها، فخطت إليهم بعد ان لمست قدميها طمى قاع الترعة. وكان شعور الطمى أسفل باطن قدميها مددغاً حيناً وحميمى حيناً، ومقزز حيناً عندما كانت تخطو فوق أياً من المخلفات التى كان يلقيها الناس دوماً، وكانت تلقيها هى أيضاً، فى قلب الترعة.


* * *

كان المشهد الذى على وشك ان يشهده أثنان من قاطنى المنطقة الآن، ليس لسحره من مثيل؛ ولسوف ترون بأنفسكم!

كانا رجلاً وشاباً، يملك الأول كشك صغير لتصليح إطارات السيارات، الذى يُطلق عليه كاوتشوك، والشاب يعمل عنده. أنه عملاً بدنياً شاقاً وصعباً، وينطوى على الكثير من المجهود العضلى. وكان للأثنان جسدأً من نفس نوع جسد ذلك السائق الذى ركبت الأبنة وأمها معه أول حافلة من وسط المدينة، والذى عجبت الأبنة _وربما الأم أيضاً!_ بقوته كثيراً.

كانا يلبسا من نصفهما الفوقى اللباس الداخلى الذكورى، الذى يُطلق عليه فـَنِلـَّة، وكان الرجل يلبس فنلة ملونة، خطوط رمادية وبيضاء وسوداء، ويُطلق على الفنلة التى هى بمثل هذا التنميط الخطى الأفقى للألوان، مِألـِّمة“. أما الشاب فكان يلبس فنلة بيضاء، هى الأكثر شيوعاً بين الرجال، ويُطلق عليها سادة“. وعلى كل حال كانتا الفنلتين قديمتين ومهترأتين تماماً، وكانت ألوان فنلة الرجل باهتة وبالية. ويلبس الرجل من أسفل بنطالاً قماشياً رمادى اللون، يبدو من مظهره أنه ثقيل وشتوياً بالرغم من أن الجو ليس بارداً على الاطلاق، وبرغم الحرارة التى ليس هناك شك فى أنها تعترى جسده بأكمله فيما هو يعمل. أما الشاب، فانه يلبس ذلك البنطال من النوع الأزرق المنتشر، الذى يُطلق عليه چينس، والذى يُصنع الآن فى ألوان عديدة وبتشكيلات وحليات متعددة، وكان يمسكه من خصره بحزام بنياً سميكاً.

يخرج من فتحتى الفنلة العلويين، ذراعان عظيمان، ترسم حدودهما العضلات المتمرِّسة والراسخة، والتى تبرز من فوقهما ومن حولهما العروق التى يجرى فيها الدم بشكل ظاهر. وتقبض اليد اليمنى على مطرقة رصينة تبدو بُنـّيـَّة حيناً، وسوداء حيناً أخر، وتمسك اليد اليسرى بزمام إطار هائل الحجم، مثل ذلك الذى كاد ان يُفرم الميكروباس تحته عندما ارتطم بتلك التريلا الهائلة منذ قليل. وتهبط المطرقة على الكاوتشوك بقوة خارقة، لا أعلم لأى غرض، لكنه شئ يظل الرجل يكرره مراراً وفوق مواضع مختلفة من الإطار، وكذلك يفعل الشاب الذى يمسك بإطار آخر، دون ان تُـنهَك قواهما فى أى لحظة.

كانا الاثنان فى لحظة من الانغماس فى العمل، أى الطرق، بعد ان كان استوقفهما قليلاً صوت الارتطام المدوى الذى جاء لهم من مسافة غير بعيدة. وكانا قد توقفا الإثنان عن الطـَرق ونظروا فى الاتجاه الذى أتى صوت الارتطام منه وقد فطنا من صوت تهشم الزجاج انه حادث مروع. لكنهم لم يستطيعا ان يشهدا شيئاً، حيث كان الحادث قد وقع فى ناحية آخرى من الطريق وعلى الطرف الآخر من الترعة. وكان قد أثار الصوت المروع اهتمام الشاب كثيراً، فترك مطرقته فوق الكاوتشوك وشرع يجرى فى اتجاه الصوت. إلا ان رب العمل استوقفه على الفور وأمره ناهراً أياه بأن يعود إلى مكانه وان ينتبه لعمله. وهكذا فعل الشاب.

ومر الوقت إلى ان كادت الشمس ان تغيب، وكان يوم العمل على وشك الانتهاء وقد انهكهما الطرق أخيراً. لكنهما كانا لا يزالان مستمران يضربا طرقاتهم الأخيرة بقوة وعزم ينهيا به اليوم، إلى ان

أه! يا الهى! انبثقت هى من مجرى الترعة يجرى الماء منساباً من رأسها وشعرها منهمراً فوق جسدها، وقد غسل وجهها وشعرها وجعل الكومبيليزون الشفاف ملتصقاً تماماً بجسدها. وكانت لا تزال هناك آثاراً طفيفة من الدماء أسفل أنفها المحمرة الآن، وبقع بنية من الطين الذى التصق بردائها وبوجهها وبأرجلها هنا وهناك. خرجت من الماء وهى فى هذه الصورة، يطل من وجهها تعبيراً فارغاً، صارماً، لا يتغير. وكان قد رئاها الشاب أولاً، تخرج من الترعة أمامه مباشرة. ولا يمكن الجزم بمكنون شعوره الأول حيال ما رئاه، لكن ليس هناك من شك فى انه كان مزهولاً تماماً، وانه كاد ألا يصدق عينيه. وفيما كانت هى تصعد من مجرى الترعة وهى تواجهه تماماً، فإن جسدها كان يظهر له تدريجياً. وظل الشاب يشاهد ذلك الخروج الملائكى من الماء، وقد تملك منه السحر. ونظر إلى جسدها وتمعن فى خباياه الرائعة وهى تظهر واحدة بعد الأخرى. وشهد شعرها المبتل الناعم. وشهد صدرها البديع ولباسها الداخلى وفخذيها الرائعين.

وكان قد انتبه رب العمل فيما هو يعمل إلى ان الشاب قد ترك ذراعه والمطرقة التى يحملها معلقان فى الهواء، وعندما نظر إليه ووجده مزهولاً هكذا، يحدق النظر تجاه الترعة وقد انفصل فكّه السفلى عن العلوى، نظر هو الأخر بدوره تجاه الترعة، وسريعاً ما سقطت المطرقة من يده على الأرض وقد تملك منه الزهول والسحر كذلك.

ان المشهد ليس طبيعياً؛ ينبغى استيعاب ان المشهد هو ذو قوة خارقة وتأثير بالغ! كانت لحظة حاسمة، وكان الانطباع الأول الذى ستتركة تلك اللحظة سيحدد ما إذا كانت هناك مأساة ستقع الآن أم لا! وينبغى إدراك ان هذين الرجلين يعملا هنا فى نفس تلك البقعة من الأرض بجانب الترعة مباشرةمنذ زمن بعيد. وكان من الممكن ان يتملك الزهول منهما فيصدقا تماماً أن تلك المرأة رائعة الجمال التى تخرج من الماء شبه عارية، يسود وجهها ذلك التعبير الصارم الذى لا يعرفه البشر، هى ليست من الإنس. لكن ارتعاش جسدها الطفيف وعرجتها البيّنة منعاها من دخول عالم الملائكة أو الجان، الذين عندما سيُظهرون أنفسهم إلى البشر، لن يشوب ظهورهما أى ضعف.

وهكذا، فانهما لم يفرّا هاربين فزعاً من أمامها. وهما لم يخرّا راكعين كذلك، طالبين الغفران والبركة السماوية الأبدية! وليس هناك من اختلاط فى تفسير مكنون ذلك التعبير البهيمىّ الذى اعترا وجهيهما، وقد انفرج فميهما تماماً يكاد ينساب منهما اللعاب! ان حدوث شئ من هذا القبيل بعد مرور كل هذه السنين، لا يخرج من الترعة فيهم سوى الرائحة النتنة وجثث الحيوانات النافقة، هو حدث لا مفر من الاحتفاء المبالغ به، والتمتع الجنونى بكل تفاصيله!

مأساة جديدة إذن، تلك التى على وشك ان تقع حتماً، الآن.

* * *

توالت الأحداث سريعاً فور ان صعدت تماماً من مجرى الترعة إلى الطريق المغطى بطبقة التراب الكثيفة، والليل على وشك ان يحل بظلمته المطبقة. وكان الصيد قد حدث بسرعة وسهولة شديدتين.

لم يكن هناك الكثير من العنف، أو الصراخ، أو شئ من هذا القبيل؛ لقد تقدم الرجل نحوها يسيطر على كيانه ذلك الحدس الحيوانى؛ سحبها من رقبتها ومن وسطها إلى جسده، ثم دفعها بعيداً عنه مرة أخرى، ثم جذبها إليه مجدداً من ردائها، وكان يقترب بوجهه من جسدها فى كل مرة وكأنه يشتـَمّها! لم يكن يعرف ماذا يفعل، ويبدو ان نفس ذات الحدس الذى يحركه الآن كان قد حذره من انه سيكون هناك الكثير من المقاومة. لكن شئ من ذلك لم يحدث على الإطلاق، وكانت هى مستسلمة تماماً لقبضاته التى كانت تفوق قوتها وغائيتها تلك التى يقبض بها على مطرقته كل يوم. وراحت تترنح وتميل بين يديه المتمرستين دون ان تـُصدر أى صوت، بالرغم من ان يدا الرجل كانا يرتطمان بجسدها بقوة وعنف فيما هو يحاول ان يسيطر عليها، معلناً بلغة الجسد، كما تفعل الحيوانات، انها ستكون ملكاً له فى هذه اللحظة. أما الشاب، فقد كان تحرك خلف ريّسه يتابع عن قرب تطورات الأحداث، وهو غائب عن الوعى كذلك، أو بالأحرى، وهو واعى بشئ واحد فقط.

وربما يكون ذلك الاستسلام التام قد ادهش الرجل بدرجة ما، تلك السهولة التى صارت بها المرأة رائعة الجمال، مِلكاً له. لكن الأمر برمته, ومن البداية، كان سحرياً! وكأن تلك المرأة قد جائته هدية من السماء لينعم قليلاً بعد شقاء طال وسيطول. وربما يكون ذلك الاستسلام الكامل قد زاده استثارة مما هو عليه. والواقع هو انه لم يكن يفكر هكذا، او فى أى شئ على الإطلاق، بعد ان ادرك انه سينعم بها الآن، دون عناء وصراع ومقاومة. ولم يكن يشعر بأى شئ سوى بسطوة اللذة الجنسية الجنونية، التى تسعى دائماً دون ادنى تريث او تعقل، إلى الارتواء.

إنها الآن مستلقية على الأرض, ويا الهى، ذلك التعبير الذى يسود وجهها؛ الموت وهو مستيقظ؛ لا شئ، وكل شئ! وارتمى الرجل فوقها يقبلها بعنف فى شتى انحاء وجهها، ثم سريعاً إلى رقبتها وصدرها. وكان يسنشقها بأنفه ويشتم رائحة جسدها فيما هو يقبلها. وهكذا، فقد استثاره وجود الكومبيليزون والسونتيان وهما يحولا بين فمه وانفه وبين جسدها العارى. لم يكن سيسمح لأى شئ بان يقلل من روعة هذه التجربة؛ فانقض على الكومبيليزون ممزقاً إياه فى عنف وضراوة. وأتى على السونتيان كذلك لكن قماشه كان أشد وأقوى فلم ينجح فى تمزيقه تماماً. كان هائجاً كما الثور، ولم يكن سيفكر فى خلعه بالطريقة المناسبة، التى ربما تتطلب مساعدتها كذلك. وهاهو يقبّل وجهها من جديد، ورقبتها وصدرها الذى صار أكثر عراءاً الآن. وها هو يشتَمّها ويستنشقها من جديد، بقوة وعمق. الآن، جلس على الأرض فوقها من جديد واستجمع قواه كلها أمام قطعة القماش تلك التى تخفى ورائها النهدين الرائعين؛ فمزقه تمزيقاً بعد ان صارع معه شديداً، وكان جسدها يهتز بأكمله فوق الأرض فيما هو يشد السونتيان شداً من فوق ثديها. وانقطع النسيج أخيراً وانفلتت خيوطه المطروزة، وانفلت ثدييها بارزين إلى الخارج يهتزان فى الهواء بقوة. وقُذِف بالقماش بعيداً؛ وانغمس الرجل الهائج فى ثدييها متعطشاً شرهاً، يقبلهما ويشتمهما ويلعق سطحهما وحلمتهما بلسانه المبتل. يمسكهما ويستشعرهما بيديه، يطبق عليهما، ثم مجدداً، ينغمس فيهما بفمه ولسانه وانفه من جديد. ثم يعود لوجهها، لا يأبه البتة فى تلك اللحظة لتعبير وجهها وهى تنظر إلى السماء وكأن شيئاً مما يحدث الآن، لا يحدث. إنها جميلة جداً، وسوف يتمتع بها تماماً الآن، بأقصى درجة! يقبلها من جديد، وهاهو قد بدأ ان يتحدث لها وهو مُخدراً بما يمكن ان يحدث! نعم، ان الأمور تستتب، انتهت الإثارة بخصوص ما هو ممكناً، ويبدأ الآن، الارتواء.

انت جميلة جداً!”، يقول لها وهو يتسلل بأنفه وفمه إلى رقبتها؛ ها؟، ثم صدرها وثديها من جديد؛ أيعجبك ذلك؟، ثم ينهال مقبلاً بطنها ووسطها بعنف فيضغط على سطحهما بقوة، ويخرج الهواء منهما إلى الخارج مصحوباً بـ اهغير إرادية من حنجرتها؛ ويجن جنونه تماماً وقد سمع صوتها للمرة الأولى؛ وبالرغم من انه كان واضحاً ان تلك الـ اههى محملة بالألم، إلا أنه فى تلك اللحظات، يمكن للعقل دائماً ان يحمل الأصوات بمعانى أخرى: “انت تريدينه، اليس كذلك!”.

وانطلق الدم إلى رأسه فى لحظة اثارة عارمة وهو يرى امام عينه بالضبط لباسها الداخلى الأسفل، فانقض عليه ممزقاً إياه تمزيقاً فى قوة صارخة، وكان يرتفع جسدها كله عن الأرض فيما هو يفعل ذلك، وارتطم جسدها بالأرض مراراً ودلف التراب إلى داخل فمها. وبعثر قماش لباسها الفريد هنا وهناك، وانكشف من تحته ذلك الشئ العظيم، الذى ينتهى بين الرجلين فى نتؤ فريد. وظهر شعر عانتها أسوداً متلبكاً. وانتفض جسد الرجل وصار الدم يجرى فى عروقه كما النمر وهو ينقض فوق فريسته. وانهال على فرجها بعنف وضراوة، مجدداً، بفمه وانفه وكل كيانه. وشعرت هى هذه المرة بأن شئ ما يحدث لها، وارتجت وانتفضت، وحاولت المقاومة فدفعت رأس الرجل بعيداً عن فرجها. لكنه نهض فوقها مقبضاً على يدها بقوة مؤلمة، ودفع يديها بعيداً إلى رأسها ثم نظر فى عينها نظرة مهدِدة صريحة، ثم قبلها! واستسلمت هى من جديد.

لم يكن قد خلع ملابسه بعد، فقفز واقفاً فوقها وفى ثوانٍ ثلاث، تخلص من بنطاله الشتوى الذى كان يشع حرارة، ولباسه الداخلى كذلك، وانفلت قضيبه منتصباً مكشوفاً فوقها، وتحت سماء الغروب.

***

ربما ينبغى على فى هذه اللحظةان اوضح بضعة تفاصيل أخرى بخصوص ذلك الحدث، وكيف كانت هى الصورة الآن. ببساطة، ان امكانية وقوع حدث مثل ذلك تتطلب عدم وجود أى شخص من حولهما وهما بجانب الترعة مباشرة هكذا، فى مكان مفتوح وفى الهواء الطلق. وهكذا كان الواقع تماماً؛ لم يكن هناك أى احداً من حولهما فى تلك الفترة الهادئة والليل على وشك الحلول، وكان دكان الكاوتشوك، لسبب ما، بعيداً بقدر كافى عن الازدحام العمرانى. لكننا لا يجب ان ننسى الشاب الذى كان موجوداً معه، والذى ظل واقفاً يتابع تطورات الموقف ويتطلع من حين لآخر إذا ما كان هناك أحداً قادماً. لقد كان هائجاً تماماً هو الآخر، وكانت المرأة جميلة جداً؛ لكنه بصفة عامة، وربما لصغر سنه وقلة تجربته، كان أقل ثقة واقداماً من ريّسه، وربما لم يكن قد مارس الجنس كثيراً من قبل، أو على الاطلاق. وهكذا، فقد كان انتظاره هذا، بغض النظر عن انه فـُرض عليه، كان بمثابة فرصة للتعلم والتحضير وهو يشاهد الرجل وهو عاكف عليها، يشرب من جسدها ويسنتشق، شرهاً كما لو أنه كان عطشاً منذ الأزل، أو لم يتنفس من قبل! ذلك ان دوره كان سيأتى حتماً، مباشرة بعد ان ينتهى منها ريّسه. وهكذا حدث بالفعل؛ ويا إلهى! لقد ظلت مستسلمة هى كل ذلك الوقت، واحداً بعد الآخر. ويبدو أنها لم تكن تشعر بجسدها، اللهم ألم فخذها المروع الذى كان يعذبها فيما هم كانو يستمتعون بها. وبالرغم من ذلك، فانه لم يصدر منها أى مقاومة او صوت فى أى وقت، اللهم تلك اللحظة التى _لسبب ما ربما يكون له علاقة بتذكر طفلها الذى فقدته للتو_ حاولت ان تصرخ لا لأن تستغيث بأحد، لكن بسبب الألم. كان ألم وجدانى؛ يا الهى، كل ما مرت به اليوم، ولازالت. ووضع الشاب يده فوق فمها بعنف فور ان صرخت فاسكتها فوراً، ونظر إلى وجهها بعد ان كان ينظر إلى ثديها وفرجها فيما هو ينكحها. وأطال النظر إلى وجهها؛ انه لم يكن منكباً عليها مثل ريسه، ولم يكن منغمساً فى العملية الجنسية تماماً كذلك. كان شارداً وغير قادراً على الإلمام بكل ما حدث ويحدث. أما هى، فاستسلمت من جديد. لكن الدموع تنهمر من عينيها الآن. وعاد الدم ينساب من انفها بغزارة، بعد ان ارتطمت يد الشاب بها. وانكشف فى وجهها للحظة تعبيراً انسانى أصيل، هو الأسى والألم العميق، والقهر، ممزوجاً بتراب الأرض المتناثر فى وجهها، ثم عادت إلى مملكة الموتى من جديد وهى تنتظر حريتها من ذلك الأسر الجسدى.

وفى هذه اللحظة يكون قد انتهى منها الشاب ووقف يضع ملابسه فيما يقفل الرجل دكانه. أنهم لا زالوا فى درجة من الزهول لما حدث، لكنهم مشغولون الآن بالفرار بعيداً، سريعاً، قبل ان يحضر احد فى الظلام الذى اصبح داكناً أو قبل ان يرتاب احداً من رواد القهوة فى أمرهما وقد تأخرا معاً عن موعد الحضور اليومى المعتاد. سوف يقولون انه كان لديهم الكثير من العمل اليوم، وان ثمة حادث مروع قد وقع بالقرب منهم وانهم ذهبا على الفور لنجاة الناس من تحت الانقاض او من قلب الحريق، وسوف يكون هذا هو موضوع الحديث اليوم، بكل تفاصيله المُتـَخيَّلـَة. لن يتحدثا لأحد عما حدث؛ على الأقل، ليس اليوم أو خلال اليومين الآتيين. اللهم الأصحاب المقربين جداً فقط، الذين عندما لن يصدقونهم، سوف يقول كلاً لهم ان الآخر كان موجوداً، وانه وقف شاهداً وفاعلاً لما وفيما حدث.

أما هى، فشعرت بالكثير من الارتياح فور ان انتهى الأمر. لقد اختفيا سريعاً من مسرح الأحداث، وظلت هى مستلقية على الأرض فى الظلام، تنظر إلى سماء ملوثة ومُنتـَهَكة _مثلها_ لا يظهر فيها أى نجوم. لم تنهض؛ كانت مُرهقة بشدة، وكانت تعلم ان فخذها سيعذبها فور ان تحاول النهوض. وبالرغم من برد الليل الممتزج برطوبة مياه الترعة، والذى كان قد بدأ ان يتخلل جسدها، ظلت مستلقية هكذا على ظهرها، كما الموتى، عارية تماماً، منفرجة الأرجل، ينساب المنى من فرجها.


7. الوصول دون مفتاح

وقفت، بصعوبة بالغة، وكانت تأن من شدة الألم. وظلت واقفة كثيراً تستجمع قواها قبل ان تشرع فى الخطو، أخيراً، إلى بيتها. بضعة خطوات وتكون قد دخلت فى نطاق الازدحام العمرانى، حيث تطل بلكونة بيتها من موضع مرتفع.

ان منظرها وهى تنهض، ثم وهى تخطو خطواتها الأولى فى اتجاه البيت، يثير الرعب اكثر من الشفقة! عرجتها تلك القصوى التى تحنى معها كل الجزء الأعلى من جسدها؛ نعم، ظهرها كله يلتوى إلى الأمام ثم يعود فى استقامة من جديد، مع كل خطوة. أنها تبدو وكأنها التجسد الحى لـالملتهمة العرجاء، أو اى من الشخصيات الخيالية التى يتأتى للكبار ان يخيفوا الصغار وان يستدروا طاعتهم من خلالها. أنها تبدو مُفزعة بالفعل، لكن مع ذلك، لازال هناك قدر من ظهور جمالها البديع، وان كان جسدها قد اصبح ملطخ بالتراب فى شتى انحائه، وصار شعر رأسها متشابكاً ومنبعجاً بعد ان جف وتخلله التراب، والدم يسيل عبره من جرح رأسها إلى أذنيها. ومن أنفها يسيل الدم بغزارة إلى فمها. شئ ما يجعلها تتذوق الدم مراراً بلسانها وهى تخطو للأمام، تصارع الألم والانهاك، والموت. نعم، انها لازالت فى تلك الحالة الميتة الباردة، اللاشعور، اللاحياة، وكأنها اصبحت انسان آلى مبرمجاً على الذهاب للبيت؛ وبالفعل، كان ذلك هو الشئ الوحيد الذى يمكننا ان نقول انها كانت تسعى له، او تريده.

يكون هناك فى ذلك الوقت، بداية الليل، الكثير من النشاط والحركة حول بيتها: دكاكين تعاود نشاطها من جديد، بائعين جائلين آخرين يأتون، ألوان فجة وأنوار صاعقة تُضاء، شباب ينتشرون فى كل ركن وفى تجمعات كبيرة وصغيرة، وفى امزجة مختلفة، أشياء أخرى تحترق، دخان آخر يتطاير، وروائح أخرى تنفذ إلى الأنوف. وهكذا؛ نوع أخر من الحياة والناس، أو هم نفس الناس وهى نفس الحياة، لكنها روح مختلفة تلك التى يأتون بها الآن، روح الليل.

وانبثقت هى من ظلام ذلك الطريق الترابى الذى يوازى الترعة بعد ان دخلت فى نور ذلك التجمع العمرانى الآهل بالناس. وكان بمقدورها ان تترك نفسها الآن، ان تستريح أخيراً، وان ترمى بنفسها منهارة عند أول دكان تعرف صاحبه وهى تعرفهم جميعاً. وكان سيَفزع صاحب الدكان فى البدء من منظرها ومن هجومها عليه، إلا أنه كان سينهض لعونها سريعاً فور ان يتعرف عليها، يغطى جسدها العارى أولاً، ثم يجلسها ويأتى لها بكوب ماء ربما يعيدها إلى الحياة بعد ان تشربه. وكان سيصرخ فى المارة المزهولين، الذين وقفوا بالقرب من دكانه يشهدون الموقف استثنائى الندرة، آمراً اياهم بالذهاب بعيداً إلى مشاغلهم حيث كانوا يقصدون. وكان سيعود إليها سريعاً سائلاً أياها إذا ما كانت بخير! وفور ان يلحظ الدم وهو يسيل من كل وجهها، وإذا ما كان قد لاحظ فخذها الأيسر الذى صار أزرق اللون تماماً الآن، فأنه كان سيزعق فى صاحبه الذى يقبع فى الدكان المجاور، إذا لم يكن قد اتى بالفعل قبل ذلك ليعاين الموقف الفريد؛ وكان سيطلب منه ان يأتى بالإسعاف. إلا ان صاحبه كان سيقترح ان يأتى بطبيب هم يعرفونه كحل أفضل، وكوسيلة لستر الفضيحة وتجنب السؤال.

وعلى كل حال فإن شئ من ذلك لم يحدث! ذلك انها لم تلجأ لأحد ولم ترتمى منهارة هنا أو هناك. ويبدو ان مثل ذلك الشعور بالإيمان بالغير، او بالاحتماء بهم او طلب مساعدتهم، لم يكن شعوراً ممكناً بالنسبة لها الآن. لقد مرَّت بالناس وبالدكاكين وكأنهم ليسوا موجودين، وكأنها لا تراهم. وانتفض الجميع وتجمعوا حولها _ومن بينهم صاحب الدكان الذى ربما كان سيساعدها_ ينظرون بأعين مفتوحة فى زهول مطلق وفجاجة بيِّنة. وربما كان لازال هناك من سينظر إليها نظرة يحركها بروز ثديها واستدارة مؤخرتها الصغيرة وظهور شعر عانتها. مشهد عجيب ذلك الذى يشهدونه جميعاً؛ ان الناس قد وقفوا متخشبين فى صمت مطلق، يسيطر على إرادتهم سطوة منظرها الجنّى. وربما لم يشرع أحد مِن مَن يعرفونها فى مساعدتها لأنهم لم يتعرفوا عليها؛ ذلك انهم لم يروها من قبل إلا وهى تلبس تلك العبائة السوداء التى تحوط بكل جسدها، والطرحة التى تغطى شعرها. لكن من هى تلك المرأة؟ ربما كانوا يسألون انفسهم هكذا، فيما هى تخطو عرجاء أمامهم بمنظرها هذا، وفى ألم شديد، يجعلها تفتح فمها لتحمله فى كل خطوة.

ولا أعرف إذا ما كانت تشعر بكل ذلك التأهُّب الصامت الذى كان يحوطها، والذى كان قد بدأ ان يتحول إلى طنين نحلى بعد ان توغلت داخل المنطقة السكنية وازداد تجمع الناس حولها، ام انها كانت غائبة عن الواقع تماماً. لكن ليس هناك من شك فى ان كل ما كان يجرى من حولها كان قد حثها على المضى قدماً وعلى تحمل ألم فخذها المروع، وجعلها تخطو الآن بسرعة وعزم وهى تلهث، اسرع واسرع، إلى ان اختفت من الأعين أخيراً وقد امتصها باب مدخل العمارة الفقيرة التى تسكنها.

لن يكون ضرورياً ان أوضح كيف كان الصعود عتياً، وكيف انها كانت تصرخ بضراوة فيما هى تحاول ان تصعد السلالم الكثيرة. كان الناس قد تجمعوا اسفل العمارة يتشاورون ويسألون ويفسرون، وكان يصيبهم الفزع عندما كانوا يسمعون صوت صراخها المروع الذى كان يردّهم عن الصعود خلفها.

يا ألهى، فيما كانت تفكر، ماذا كان يدور داخل عقلها؟ هل ربما تذكرت أمها مجدداً الآن، وكيف انها كانت تعانى صعود السلالم دوماً مثلما تعانى هى الآن؟ هل تقول لنفسها أنه لم يعد هناك سوى أمها فى مصير حياتها القاتمة الآتية، بعد ان فقدت أبنها كذلك؟ لكن أين هى أمها الآن؟ وهل تكون قد ماتت هى الأخرى، صدمها أتوبيس فى ازدحام المدينة أو وقعت ضحية لأزمة قلبية حادة بسبب تيهها؟ هل تصبح حبلى من جديد بعد ان جرى ما جرى، فقط، منذ قليل؟ وماذا يجب عليها ان تفعل حينئذ؟

آه! هاهى تقف أخيراً أمام باب بيتها، انها تأخذ استراحة قصيرة الآن قبل ان تدخل بيتها أخيراً، تتنفس من جديد بعد صراع الصعود الذى انهكها وجعلها على وشك ان تغيب عن الوعى تماماً. لكن كيف لها ان تدخل بيتها؟! لقد كانت على وشك ان تضع يدها فى جيب عبائتها الداخلى التى تضع به المفتاح دائماً، لكنها انتبهت كما المصدومة لواقع ما هى فيه. نظرت إلى جسدها، ورأت ثديها وقدمها المتسخة تماماً. ووقفت تترنح أمام الباب، الذى لم يكن سيفتح من تلقاء نفسه!

كان مقفولاً بشئ يطلق عليه كالون، وكان كالونً من نوع جيد، ليس من النوع الردئ المعتاد الذى يشتريه معظم الناس. كان قد اشتراه زوجها برغم سعره المكلف، ويبدو ان ذلك كان ضرورياً لكيما يصير اقتحام المنزل صعباً، عندما كانت تلك المنطقة التى تسكنها هى الآن، شبه فارغةً، ولم تكن قد أصبحت آهلة بالكثير والكثير من السكان، بعد.


* * *

مشهد عجيب, إذا ما تمكن المرء من النظر إليه: ببرونة بلاستيكية وبكرات مناديل وحجاب ممزق, متناثرون في أرجاء شوارع وسط المدينة بين الكثير والكثير من الأشياء المتناثرة الأخرى, والتي يمكن تتبعها حتى عربة الميكروباس المهشمة تماماً, والتي تقف في صمت مطلق بعيداً عن وسط المدينة, تتناثر داخلها وفي الصف الخلفي نقاط اللبن الطبيعى الذى لابد وأنه خرج من ثدى أم, ربما تكون هي من ترك عبائتها السوداء مخلوعة هنا أيضاً؛ ثم نقاط دماء فوق الأرض الترابية التي يقف فوقها الميكروباس, تقود إلى الترعة؛ ثم ملابس داخلية نسائية عالية الجودة، ممزقة ومتناثرة عند الضفة الأخرى من الترعة؛ ثم نقاط دماء مجدداً، ومني، يقودا إلى التجمع العمرانى عظيم الحجم، الذي يقف عند طرف الحضر, ممتلئ بالحركة والنشاط الحضري.أه، كيف لكل ذلك ان يجتمع فى سياق واحد دون قصة تـُروى؟! وكم هنالك من القصص، التى يمكن روايتها كل يوم، عن ذلك الحضر العجيب، الذى لن يتوقف عن الاتساع العمرانى الساحق، الذى يبتلع الناس جميعاً، والطبيعة الخضراء كلها، داخله؟

© Maysara Omar 2009

One Response to فانتازيا حضرية

  1. رواية رائعة واثارة لا توصف واسلوب راق ومتميز

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s