مقدمة لعداوة

مقدمة لعداوة.pdf

مقدمة لعداوة

 تدبر ’نفرتى‘ ما يمكن ان تصير إليه الأمور فى البلاد، واستدعى إلى ذهنه أحوال الشرق، وكيف يمكن للأسيوين ان يأتوا بجبروتهم، جالبين الرعب إلى قلوب أولئك الذين يكونون قابضين على مناجلهم فى مواسم الحصاد، وكيف يمكن لهم ان يسرقوا الأبقار، أزواجاً، من تحت نير المحاريث. ولسوف يضع طائر أجنبى أفراخه فى أحراش الدلتا، عندما يبنى عشه قرب أبناء الحضر. كل الأشياء الجميلة اختفت وهاهى البلاد ترقد مهيضة الجناح يفترسها البؤس بسبب انتشار أولئك الأسيوين المتخمين فى سائر أرجاء البلاد. ولقد ظهر الأعداء فى الشرق ولسوف يهبط الأعداء على مصر. وتقع حصونها تحت الحصار حتى عندما يكون العون قريب المنال، ولن تلقى حامياتها بالاً: فلسوف يرفعون سلم الحصار على الجدار فى كحل الليل، ويقتحمون الحصون ويعبرون المتاريس بينما يكون الناس مستغرقين فى النوم. ولسوف يقول أحدهم: فلأذهب لأستريح، ولو ان الواجب يفرض على ان أظل يقظاً. ولسوف تهبط الحيوانات البرية من مواطنها فى الصحراء كى تشرب من ماء نهر مصر، ونظراً لأن أحداً لن ينهض لدفعها بعيداً فلسوف تستريح وتنتعش على ضفافه.

__من نبوءة نفرتىالحكيم المصرى القديم.

1-

هو ذا المصرى يلبس الزعانف ويحمل كرة الماء الملونة. هناك جاذبية فوقطبيعية فى مظهرهما هو وصديقه وهم يدخلا المياة، وكأن الألهة قد خصّـتهما بالتلألؤ تحت الشمس دون غيرهما. سوف تكون هناك سعادة طاغية الأن فيما هم يلعبون، يكتنفهما ذلك السلام البراق الذى طالما ما استفز ذلك الشعور شبهالغرائزى الذى قلما تحرك عند البدو، وهو مزيج الغيرة والتطلع.

هكذا وبشكل حدسى تماماً، يخطوا الصبية البدو إليهم عبر المياة حتى أصبحوا قريبين؛ يشعرون أنهم يخترقون شيئاً، والولدين كذلك، يشعرون بوجود البدو وتقربهم الجمعى منهم. نستبين ذلك من لمحات المصريين الخاطفة عليهم، ومن تجاهلهم الكامل لقدومهم. هناك شعور بعجرفة صارخة وقوة مستبدة، وذاتية مطلقة ذات أصول عميقة فى مثل هذا التجاهل. ان النظر إليهم وهم يسبحون بعيداً ويمدون رؤوسهم خارج المياه، يعطى انطباعاً بأن هؤلاء المصريين على الأقل يظنون أنفسهم قد تغلبوا بالفعل على الحياة! لكن شئ من ذلك لا يقلل البتة من تلك الرغبة العارمة التى تقود البدو إليهم، بل على العكس، فهناك أيضاً شعور رائع بالإثارة:

إلعب!”

2-

يأتى أولاد البدو إلى هنا كثيراً، إنها نقطة التقاء مجرى السيل قديم الأزل وخليج العقبة حيث يصب. فبالرغم من أنه قليل ما تمطر سماء سيناء، إلا أنه دائماً ما تهطل الأمطار ذات شتاء بكثافة مروعة، فيحدث شيئاً ما فى قمم الجبل يبدو وأنه أكثر إعجازاً من ذلك الذى حدث لنبى العبرانيين؛ فيفض الجبل عن مخزونه المتجمع وتنهال المياه فى قوة صارخة عبر الوديان حتى تصل السفح فى لحظات، مقتلعة فى طريقها الأشجار من جذورها. ومن السفح تنطلق المياه بقوة اندفاع هائلة قاطعة مسافة شاسعة فيما صار يُعرف بمنطقة معبر السيول، حاملة معها دون أدنى تريث أو هوان كل تلك الأشياء التى قـُدِّر لها أن تكون فى نطاق تلك المنطقة.

وهكذا فيصب فى البحر أخيراً الكثير من مخلفات الحياة البدوية فى الوديان من زجاجات بلاستيكية وطعام معلـَّب، غير أثار الجمال النافقة وهياكلها الضخمة. تجد أيضاً الكثير من ضلوع الأشجار المتهشمة بل وقد تجد أشجاراً صغيرة كاملة بجذورها تطفو فوق سطح البحر مرتعشة وكأنها فى ذهول مطبق لا تعى شئ من هول ما حدث، وفى اضطراب عصبى من مصيرها الجديد بعد ان كانت تحيا مغمضة العين راسخة الحكمة فى صمت الجبل العميق، وكأنها الأبدية بعينها. أما الأحجار المختلفة والتى كانت تسكن قمم الجبال منذ ألاف ألاف السنين، فسوف تصير الأن وفى بضعة دقائق مستقرة آبدة فى ظلمات قاع البحر.

أه يا لها من صورة، ويا لها من قسوة! لكنها حكمة الطبيعة، بل حكمة الحياة كلها؛ ففيما تنهمر الأحجار هنا مع سيلان المياه، يقذف البركان غيرها من باطن الأرض إلى قمم أخرى، فيظل العالم سواء. وفيما تنهار الأشجار وتنحدر إلى البحر، تكون الحياة قد دبت فى الأرض الجافة بفعل جريان المياه، وها هو طمى الوديان قد استيقظ معلناً ميلاد نبتة جديدة لكل طير وكل زاحف، وظل جديد لكل جمل وبدوى مسافر.

وأخيراً ينقطع تدفق المياه تدريجياً بعد ان تكف السماء، وقد يطول ذلك ليوم أخر. وتكون الحياة المائية قد تأثرت بشدة من تعكر ماء البحر قرب مجرى السيل، فتفر الأسماك بحثاً عن رزقها فى مكان أخر، وكذلك يفعل الصيادون ورائها! ويترك السيل خلفه بـِرَك المياه متفرقة فى أرجاء المكان، ويكون حجم بعضها ليس بالصغير، مثل تلك التى يتركها على بعد خطوات من شاطئ الخليج. لكنها سرعان ما تجف أيضاً تحت وطأة شمس سيناء الضاربة، فتكشف عن طبقة الطمى الكثيفة التى ترسبت هنا أخيراً بعد ان حملها السيل معه من الوديان، والذى يكون قد ملأ بطنه من المياه عن آخرها، فيظل طرياً ليناً إلى ان تسقيه سماء الشتاء الجديد.

* * *

يقتفى الكثير من البدو أثار السيل التى خلفها هنا وهناك، ويأتن النساء يغطيهن ذلك الرداء البدوى المميز الذى لا يُظهر منهن سوى العيون وأعلى الأنف، يبحثن بتأن ٍ شديد ومنهجية صارمة. إن انحنائة ظهورهن القصوى وتقشف جلد انوفهن يُظهر مر السنين التى انقضت وهن هكذا يبحثن تحت الشمس، يحملن فوق ظهورهن المنحنية كل ما يجدنه نافعاً. إنهن فقراء البدو المهملات، اللاتى لا يعرف لهن التكافل الاجتماعى طريقا.

ويأتى الرجال أيضاً، وقد يكونوا ميسورى الحال، فتجدهم يمتطون عربات الربعنقل وكأنها جمل آلى! إنهم يقارنون عرباتهم بالجمال بالفعل، فتجدهم يحدثونك فى ذاك المرح البدوى الأنثوى عن مميزات ذلك وعيوب ذاك: فالعربة ما هى إلا جمل يجرى أسرع دون ان يترك أثراً على مؤخرة قائده فيما هو يفعل ذلك! كما أنها جمل لا يلبث ان يشرع فى الغناء ما ان تطعمه شريط الكاسيت، فيغنى لك ما تريد من مشاهير المطربين السعوديين بل والمصريين أيضاً. لكنها تختلف عن الجمل فى أنها لا تشبع من شرب البنزين، فيما يُصرِّف الجمل حاله من طعام وشراب. وفى تلك الروح ينحدرون الى مجرى السيل بجمالهم الآلية وهى تتغنى بإيقاعات بدوية، يُحمّلونها فى مرح بضلوع أشجار الصنت التى ليس لها من مثيل، والتى تكون قد بدأت ان تعى هول ما حدث، وتدرك تماماً أى مصير جديد ينتظرها الأن.

أما أولاد البدو فهم أيضاً ينتفعون من السيل لكن بطريقتهم الخاصة؛ فإن غاية الأولاد الأولى هى البحر، واللهو المطلق الذى يجعله البحر ممكناً. إن الجاذبية نفسها يمكن مقاومتها هنا، وربما يكون ذلك هو مصدر المتعة فى السباحة، فى إمكانية ذلك التحرك الأفقى للأمام والخلف، وفى أى اتجاه؛ فى الغوص إلى أسفل ثم الارتقاء إلى أعلى من جديد. أنه نوع من الطيران، وخصوصاً إذا ما نظرنا إلى ان البحر دائما ما تكتنفه السماء؛ فإذا ما استلقى المرء على ظهره فوق سطح البحر وأطلق عينه لامتداد أزرق السماء، فأظننى أنه يستطيع أن ينسى ولو للحظات أن شئ ما يحمله، أو أنه هناك شئ أخر، غير السماء وهو. ويصبح السقوط كذلك أمراً هيناً بل وممتعاً فى حد ذاته كحدث يتأتـّى للمرء ان يعاند الطبيعة من خلاله. وكم يصيب المرء من الشعور بالذهول، ثم الإنهزام، حينما يخطئ التقدير مره فينتهى السقوط الحر إلى ارتطام مبين، ويستيقظ عندها الشعور بقوة الوجود وأبدية قواعده. أما الطرطشة والرش وما إلى ذلك، فهى طرق أخرى للتغلب الداعر على الطبيعة؛ فالبحر بالنسبة لنا هو نقيضالأرض، وليس هناك أسهل من تجزئة المياه ودفعها وحثها على الاتجاه حيثما نهوى. تلك هى السمة والميزة الرئيسية فى البحر تلك هى فكرة البحر: “مرحا! يمكنكم، تستطيعون التغلب على الأرض. هلم، فلا جاذبية هنا، ولا جمود كذلك!” هكذا نقبـِل على البحر.

فقط السيل هو ما يتيح لأولاد البدو مثل هذا الإقبال؛ فقليلة هى شواطئ سيناء التى لا تسكن ضفافها أحجار المرجان الكثيفة، والتى لا يمكن السباحة فى وجودها. لكن من يستطيع أن يقف فى وجه السيل؟ لقد نجح عبر السنين فى ان يحطم الصخور تحطيماً، وأن يدفع أشلائها إلى قاع البحر، وهكذا فقد أزال كل أثر لها وترك مكانها انحداراً رملى أملس. (يا إلهى، حتى سِتلم يتصرف مع كل شئ وكأنه أوزير“!).

إذن فتلك هى نقطة الإلتقاء، يأتى اليها الأولاد من شتى الأنحاء المحيطة التى يسكنوها، يخلعون ملابسهم كلها، أكرر، كلها، ثم يقذفون بانفسهم.

3-

لن تكون تلك هى الخدمة الجليلة الوحيدة التى يقدمها السيل للأولاد؛ فإنهم بعد أن يأخذوا كفايتهم من المياه ومن رطوبة البشرة، معوّضين بذلك ما فقدوه من نضارتهم خلال رحلتهم التى يقطعونها إلى مجرى السيل مشياً تحت الشمس الضاربة، تجدهم يخرجون من المياه فى عرائهم متجهين مباشرة نحو بقعة الطين عظيمة الحجم التى أتى بها السيل إلى هنا، على بعد خطوات من الشاطئ، يستمدون منها قطع الطين الطرى اللين واحدة تلو الأخرى، إلى أن تتكون بين أيدى كلا منهم كتلة طينية كثيفة.

يبدأ دائماً واحداً، أو يتآمر أثنان، على الخروج من المياه قبل باقى المجموعة، وإذا ما انتبه أخرون لذلك فإنهم سيتبعونهم للخارج على الفور؛ فمن المهم للغاية فى هذه المرحلةأن يتم الوصول لمصدر الطين فى وقت مبكر. أما هؤلاء الذين لازالوا يهيمون فى مباهج عالم البحر واللهو الداعر، فانهم لن يستيقظوا إلا وكرات الطين الصغيرة المقذوفة، والتى تلتصق بالجسد مسببة ألم يُحتسَب، تنهال عليهم من كل اتجاه!

أصبح من الجلى الأن ماذا سوف يفعل الأولاد بكتل الطين الكثيفة التى جمعوها؛ إنهم يستخدمونها كـمخوزن استراتيجىيستقطعون منه كرات صغيرة، فى سياق واحدة من أشهر الألعاب البدوية إذا ما كان ممكنا تسميتها مجرد لعبةوهى: “حرب طين“!

يخرج على الفور الحالمون الذين استيقظوا للتو من البحر متجهين أيضاً بأقصى سرعة نحو بقعة الطين ليس هناك من اختيار أو مفروإلى ان يصلوا أخيراً، يكون المتآمرون قد رشقوهم فى شتى أنحاء جسدهم بعشرات الكرات الاسعة الصغيرة. تكون تلك هى لحظة بداية الإثارة العارمة التى لا تعرف حدوداً لما يمكن أن يحدث، وتبدأ اللعبة، أو بالأحرى الحرب، رسمياً، عندما يعود الضحايا للإنتقام، حاملين هم أيضاً كتل الطين الكثيفة.

بدأت المعركة الآن، ويبدو على وجوه الأولاد مزيج السعادة والإثارة بالرغم من أن المشهد يبدو مطلق الفوضوية. فبعد ان كانت تنساب أجسادهم ذات اللون البنى الداكن مع أزرق أمواج البحر، وكانت تبدو الصورة وكأن هناك شال مرصع تتلاعب به الرياح، بات مسرح الأحداث الآن فى غاية العنفوان وهم يجرون هنا وهناك، تتدلى من بين أرجلهم أعضائهم الصغيرة المدببة. إن أحداً منهم لا يفكر البتة فيما يفعل، فليس هناك من أى قواعد للإشتباك أو حدود لمدى الأزى الذى يمكن ان يبتلى به الواحد الآخر. وبما ان ساحة القتال ما هى إلا شاطئ مفتوح، فليس هناك من وسيلة للإختباء أو المناورة، وليس من طريقة للدفاع عن النفس، سوى الهجوم، الهجوم، الهجوم!

وهكذا، تعم الفوضى العارمة أرجاء المكان، ويحاول كلا ً إلحاق أكبر قدر من الأزى بالآخرين وأن يتجنب هو نفسه أكبر قدر ممكن من الألم؛ نعم، ذلك الألم الناتج من جراء الإمطار المتواصل لكرات الطين الاسعة، والتى بعد مرور وقت قصير من بداية المعركة، يصير ألمها مبرحاً. تحمرّ العيون وتدمى الأنوف ويستقر الطين داخل الأفواه، لكن لا يتوقف الإقتتال للحظة واحدة. يتأوّه من يتأوّه ويهوى من يهوى ويبكى من يبكى، أحداً لن يتوقف، أحداً لا يستطيع ان يتحمل تكلفة التوقف أولا ً. إن ذلك المُستجـِد الذى تراءت له فكرة عبقرية لتحسين ظروف اللعبة، وانشرح صدره متئملاً نهاية للألم المتواصل، فترك كتلته الطينية اسفله وارتقى من وضع الانبطاح ورفع يديه الاثنتين الى أعلى طالباً من الجميع التوقف؛ نعم، بالفعل، لقد نجح فى جذب انتباه الجميع إليه، لكنه ويا إلهى تحول بعد ذلك اليوم إلى مقاتل شرس لا يعرف رحمة لأحد ولا يطمئن لتوافد أى فكرة اليه! ذلك غير ان فكرته لم تكن عبقرية على الإطلاق، ولا حتى بالجديدة؛ ففى كل مرة كان ينقسم فيها المقاتلين إلى فريقين، كان يحدث على الفور ان يتفوق فريق على الاخر ثم يسحقه سحقا ً. ويكون ذلك محبطاً للغاية لكِلا الفريقين، وخصوصاً الفريق الغالب! فليس هناك من مثيل لكم الإثارة والجنون الذى يهبط على الأرض عندما يكون الاشتباك أعنف، والخطر أكبر، والخسائر أفدح؛ عندها يكون الأمر أقرب إلى الحرب الواقعية!

وبغض النظر عن ذلك، فإن مثل هذا التقسيم إلى فريقين، يقضى على التميّـُـز الفردى، ذلك التميز الذى لن يحدث ان يغفل البدوى عنه إذا ما كان موجوداً فيه. وبالفعل، فأنه من بين أولاد البدو من يخرج من المعركة كل يوم محققاً رقماً قياسياً جديداً فى عدد الضربات القاتلة التى وجهها للعين، أو أوصلها إلى داخل الفم. وأخر يتمكن دائماً من اقتفاء أثر أولائك الذين يصوبون فى اتجاهه وينزل بهم أسوأ أنواع العقاب، كأن يمطرهم دون توقف للحظة واحدة حتى يخرّوا راكعين معلنين الندم والتوبة فيتجنبوا رشقه بعد ذلك ويظل هو فى منأى عن الخطر. وحتى الصغار، فبحكم التجربة، يَعتبر الجميع أولائك أنهم مثل ثعبان الأرض المتربص؛ فإنه يصعب كثيراً إصابتهم بسبب قصر قامتهم، ولنفس السبب فإنهم يتخصصون فى قنص الخصيتين والقضيب فيودون بصاحبهما أرضاً يتأوه ويبكى من شدة الألم. وهكذا، فإن هناك ثمة مهارات لا يمتلكها الجميع، وثمة أمور لا يعرفها سوى المتميزين. أما المستجدين والبرئى والعفويين والجنونيين، فإنهم جميعاً غالباً ما يقعون فى أخطاء فادحة ومنذ البداية الأولى. فمثلا ً تجدهم دائماً يجمعون كتلة ضخمة من الطين متخيلين أنهم بذلك إنما يتفوقون على منافسيهم فى السلاح والذخيرة، أما المتميزين، فإنهم يعلمون جيداً ان الطين ثقيل، وان كتلة كبيرة منه سوف تعيق الحركة وترهق العضلات حتماً، وانه لتجنب ذلك يمكن دائماً العودة إلى المنبع للاستزادة بكتلة جديدة. وبالفعل فأنه إذا ما لم يتمكن المقاتل من ان يوفر لنفسه سُبُل الكر والفر والمطاردة والهروب، فإنه هالك لا محالة. وفيما يصارع المبتدئون من أجل المحافظة على الكتلة الثقيلة فى حوزتهم، أو بينما هم يبحثون عنها بعد ان انزلقت مرة أخرى من بين أيديهم المرهقة، يكون الأخرون قد انهالوا عليهم بالقذائف الموجعة دون رحمة.

وأخيراً تهبط الشمس خلف الجبال، ويغتسل الأولاد فى البحر متخلصين من كل أثر للمعركة الدامية التى انتهت تواً. ثم ينسحبون فى اتجاهات مختلفة وفى مجموعات صغيرة واحدة تلو الأخرى مع غروب الشمس، حاملين معهم شعور بالرضى عن اليوم.

4-

إلعب!”

من العجيب ان تترك كلمة واحدة كل ذلك الأثرعلى المصريين؛ فمن الجلى أنه أصبح الآن هناك الكثير من الارتباك والضيق، وفى هذه المرحلة فقد انتاب البدو أيضاً بعض الارتباك والكثير من الانتظار العصبى. بيد أنه لم يكن العراء فحسب، بل أيضاً صيغة الأمر والاقتضاب المطبق، قد احتوا على كل عناصر الصدمة الثقافية بالنسبة للمصريين. ويبدو أنهم اعتبروا صيغة الأمر وكأنها صيغة أولائك الذين لا يعرفون حدود لثقتهم واعتدادهم بأنفسهم، وانهم شعروا فى الاقتضاب بقوة قد تنطوى على عدوانية وتلوح بالتهديد. وما البدو من كل ذلك إلا براءة وما هم بذلك الاعتداد يعتدون وما بتلك القوة يحوزون، وما هى إلا طرائقهم التى اعتادوها فى الحديث واعتادها من قبلهم آبائهم.

وفى نفس اللحظة، شرع الصبى الذى لم تكن معه الكرة فى السباحة بعيداً وكأنه يشير على صاحبه بهذا الفعل الصامت ان يتبعه. لقد فعل ذلك وكأنه لم يكن رد فعلى تلقائى وفورى، دون شك مصدره الخوف والامتعاض، ومرده تجنب القادم تماماً عن طريق الهرب والفرار بعيداً – وإنما كأنه لم يكن جزءاً من الحدث أصلا ً، وكأنه كان ينوى السباحة بعيداً عن هؤلاء الرعاع من البداية ودون اكتراث لهم البتة. وكان ذلك الهروب الملكى فنياً للغاية، بحق!

أما الأخر، والذى كان يمكنه الفرار أيضاً، وبنفس الاسلوب، فيبدوا انه احس بمسئولية البقاء والمواجهة على عاتقه، خصوصاً وان الدعوة الى اللعب والتى ربما لم يفهم المصريين كونها دعوةكانت قد وُجـِهت بإشارة للكرة التى فى يده. لكن أيضاً يبدو انه لم يكن مثل هذا النوع من الأشخاص الذين يأثرون الهرب على البقاء والمواجهة، وقد تجلى ذلك فى انه لم يعر أى درجة من الاهتمام لما فعله صديقه، والذى كان لا يزال يسبح باستعلاء بالرغم من انه كان يعلم ان أحداً لا يتبعه. وكان قد قطع شوطا ً بعيداً فى الإتجاه الآخر حينما أدرك ان مسرحيته قد بائت بالفشل، وأنه أصبح وحيداً، وبعيداً عن مسرح الأحداث حيث يوجد الجميع ومن ثم حيث يمكن لأدائه ان يكون ذو معنى واعتبار. لكنه أمر مخجل للغاية ألاّ يعير أحد اهتماماً لسباحة الملك المعظمّة. ويزداد الأمر خزياً عندما يضطر الملك ان يعود ادراجه دون ان يعيره احد اهتماماً كذلك. ولكن ماذا عساه ان يفعل سوى ان يعود لمساندة صديقه؟ وكان بإمكانه ان يفكر هكذا من البداية فيزيح عن نفسه عبء السباحة والخزى معاً! لكنه لم يجد من نفسه وطبيعته سوى ان يكون تلقائياً ومندفعاً من جديد للمرة الثانية؛ فإذا به فجأة واقفاً كالغضنفر موجهاً نظرة ثاقبة فى اتجاه الأحداث وهو الاتجاه المعاكس تماماً لذلك الذى كان يسبح فيهوكأنه أكتشف فجأة ان الأخر لم يكن يسبح خلفه مقتفياً أثره كل ذلك الوقت، وأنه مازال واقفاً هناك فى مواجهة الخطر المحدق وحيداً. وهاهو يتقمص من جديد فيعقف حاجبيه ويعلن نظرة القلق المسئول، ويرتمى بكل ثقله فى الماء ضارباً الأمواج بذراعيه، وما هى إلا ثوان معدودة حتى تخور قوى البطل المخلص وقد انهكته السباحة ذهاباً وإياباً.

فى هذه الأثناء يكون قد تخلص صديقه من كل ارتباك وكل أثر للخوف، ولم يعد يأبه لعراء البدو شيئاً. مرّت ثوان قليلة منذ ان اطلق البدوى دعوته، أو أمره كما بدا للمصرى، مشيراً بأصبعه للكرة. وانتبه الصبى هنا أن الكرة قد انزلقت من يده فى لحظات الارتباك التى تلت ذلك، فينسى عبء ضرورة التصرف ولا يتردد فى ان يستحوز عليها من جديد، فيقفز قفزة خفيفة خلفها محاولاً الإمساك بها. ان ذلك النسيان اللحظى لشدة الموقف، مضافاً إليه حركة الجسم الفجائية والتى تبعث الحركة أيضاً فى الروح، يبدو أنهما قد أيقظا فى حدس الصبى المنفتح والبرئ استيعاباً أو شعوراً بأنه ما من خطر أو تهديد على الإطلاق فى قدوم البدو. وكأنه أدرك بحق ان ما حدث كان مجرد سوء تفاهم ثقافى، وان البدو كانوا قد جائوا للانضمام إليهم فى سلام. وهكذا فشعر الصبى بميلاً الى ان يتقبل الدعوة مغضاً النظر عن انه بذلك ينصاع لما يُعرف فى ثقافته بالأمر. ولا يخلى الأمر من أنه كان يريد أيضاً بذلك، ولو بشكل غير واعى، ان يتجنب ما كان يمكن ان يحدث فى حال رفضه الدعوة؛ فالانطباع الأول غالباً ما يدوم، والاختلاف الثقافى ربما ينطوى ايضاً على اختلاف سلوكى كذلك. وبالفعل، فانه حين تتحرك رغبة البدوى العارمة فى اللعب تلقائياً خلف قفزة المصرى لاستحواز الكرة، فيطلق نفس دعوته المقتضبة مجدداً بأشد إلحاح وبنفاذ صبر وبخطوة إلى الأمام، لا يجد الصبى من نفسه سوى ان يشعر بالعدوان والتهديد من جديد. كل تلك الأفكار والمشاعر تمر فى لحظات وكأن المرء فى حلم؛ وكان يعلم الصبى أنه لا مفر هذه المرة من أن يقول أو أن يفعل شيئاً ما ان يقف على كرته من جديد؛ فقد طال الصمت إلى الآن، وامتد انتظار البدو بغير سبب، وقد زادهم ذلك حرج وعصبية بالفعل.

ويحدث ماهو غير متوَقـَع، وتخفق اليد الصغيرة فى التمكن من الكرة الزلقة. وفى هذه اللحظة يصل البطل المغوار وهو فى أوج التقمص، مثقل بتعب السباحة. وظن ان يدارى خزاه وكل تظاهراته المفتعلة بأخرى أكثر افتعالاً، فانبثق من الماء مستعداً متحفزاً، بل ومشجعاً لوقوع أشرس المعارك وأعنفها وهو فى باطنه يرتعد من بريق العراء. وتتغير معطيات الموقف سريعاً، ويكون قد طال الصمت والانتظار بأكثر من الازم فيشرف الصبر البدوى المتأصل على الانتهاء. وهاهى الكرة تنساب بعيداً مع الأمواج ببطء وبغير مبالاة لتحسر صاحبها؛ وفيما هى توشك ان تصبح على بُعد متساوى من الجميع، يكون هناك فى الأجواء ثمة تربص جنونى، واستعداد فورى على الانقضاض.

*** *** ***

غروب الشمس, خليج العقبه, سيناء

© ميسره عمر 2009

نص نبوءة نفرتىمقتبس من:

دونالد ريدفورد، مصر وكنعان وإسرائيل فى العصور القديمة. ترجمة: بيومى قنديل. المشروع القومى للترجمة ص. 111

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s