عن الوحش المريع

لقرائة أفضل, يمكنك تحميل هذا الملف عن الوحش المريع

الجليد قريب

والوحدة رهيبة؛

لكن لكم تبدو هادئة كل الأشياء

وهي تستلقي في النور

وبأية حرية يتنفس المرء

وكم من الأشياء يشعر بها المرء

تحته

ـفريدريك نيتشه

– 1 –

يوماً عادياً تماماً،

كنت قد قضيته في الجناين والروضات والحقول،

بين الاشجار بفروعها الممتدة،

والزهور بالوانها الزاهية،

والينابيع بأسماكها اللعوبة،

والفراشات وكل الكائنات الأخري الرقيقة والهشة؛

وهكذا،

لا شئ جديد.

لم أكن أعلم علي الاطلاق ان مللي،

وكذلك اشتياقي،

كانا سوف يقوداني إلي الغابة،

الغابة المحرَّمة؛

فإنه يقال أنها مسكونة بشتي أنواع الحيوانات والمخلوقات البرية،

والمتوحشيين ومصاصي الدماء،

والملتهمين،

وفوق أولئك جميعاً يقف الأكثر رعباً:

الوحش،

الوحش المريع،

والتي تثير قصصه الرعب في قلوب المستمعين:

فوق كل شر مُفزع في الغابة

إحذروا الوحش المريع،

فانه لا يعرف رحمة لأحد.

“وكم من رجل أحمق أصبح أثيراً مدي الحياة،

لأنه ذهب الي الغابة.

وحده الرب يعلم ماذا حل بهم!

 

هكذا يتحدثون عن الوحش،

حينما نكون جالسين سوياً حول النار مساءً،

تغطينا السماء المرصعة بالنجوم الامعة.

وهكذا يسأل أحد الأطفال المفزوعين، بعد ان ينظر حوله في أرجاء ظلمة الليل.

“وهل يمكن ان يأتي الوحش إلي هنا، إلي قريتنا؟”

ويرد دائماً الحكيم مطمئناً:

“لا لا يا صغيري؛ ذلك لا يقدر الوحش علي فعله أبداً.

إنه مخلوق مريض ووضيع.

يعيش في الغابة وحيداً منذ زمن بعيد.

يتعذب من الوحدة،

ومن حقده من وئام البشر الخيِّر.

إنه يرتعد من العِشرة، ولذلك

فإنه لا يجرؤ علي الاقتراب منّا هنا،

حيث نحن عشيرة ورفقة حقيقية.

يُقال أنه يصرخ ويرتجف عندما يرانا معاً.

ولأنه وضيع ومنحط،

وخال من كل خير وكل عطف،

فانه يلحق بالرجل الأحمق الذي يذهب إلي الغابة،

يأثره مدي الحياة،

وينزل به أقصي درجات التعذيب،

ذلك الوحش المريع.”

هكذا يقول الحكيم والمعلم المبجلان، في كل درس.

وكذلك يقول الكاهن الموقر في المعبد، بعد كل قداس.

وكذلك جلالة الملك والملكة، في كل عيد.

وعموماً، كل الكبار؛

هكذا ينذرون من الوحش الفظيع،

الذي أصبح لقائه هو كلقاء الموت بعينه.

– 2 –

اه،

لكم تستيقظ روحي وتتغني،

بألف رغبة،

كلما تسللت إلي الغابة!

ولكم يثيرني حتي خوفي

من الوقوع فريسة لشرور الغابة

وخصوصاً ذلك الوحشي منها.

ولكم تمنيت ان أري يوماً مخلوقاً غريباً،

أو أي شئ مخيف،

في غابة الشر العتيقة.

لكن شئ من ذلك لم يظهر لي أبداً.

ولم أجد يوماً في الغابة سوي أكثر أشكال الحياة الطبيعية جمالاً

وزهو وحدة ونشاط وسرور!

كل تلك الأشياء التي ليس لها من وجود في قريتنا.

فالحيوانات هنا تلتهم بعضها البعض!

والأشجار،

إنها حية بالفعل وبشكل رائع.

تستطيع ان تشعر بمثل هذه الأشياء في الغابة.

والأنهار،

إنك لا تعرف أبداً ماذا يتجول ويتربص تحت أسطحها الجارية.

وكم من المرات شاهدت فيها ضفدعاً برياً ينقض مبتلعاً عصفوراً عطشاناً،

وتمساحاً يتصيد الضفدع ببراعة لا مثيل لها.

وهكذا،

فإن كل الأشياء هنا تتحدث بمثل ذلك الإحساس الجبار بالحياة.

كل حدث يبدو وانه يمثل توازناً مثالياً لحدث أخر.

كل شئ عادلاً ومتساوياً.

وحتي عندما يصير الكائن الحي طعام لاخر.

وخصوصاً عندما هكذا يفني الكائن الحي؛

فإن كل شئ هنا يخضع لنفس الإرادة:

إرادة البقاء والحفاظ علي الذات.

وليس هناك من شوائب علي الإطلاق، في إيمان الحيوان بالأرض،

وفي إخلاصه لجاذبيتها،

ولكل الظواهر الأرضية الأخري التي تنم عن امتلاك القوة.

وهكذا فانه يخضع للأقوي كمن يسجد متعبداً،

ويتسيد الأضعف كمن يُنزل الكتاب.

لكنه يفعل ذلك صادقاً مؤمناً،

دون ضعف او نفاق او خجل.

وهكذا فانه يحيا مبتهجاً وفرحاً،

لعوباً، لا يعرف حدوداً لانفتاحه علي الحياة.

وأنا أيضاً!

كل شئ هنا يبدو لي عقلانياً بجمال وبهجة.

كل شئ هو ذو معني طاهر ونظيف.

كل شئ عميق ببرائة وصدق.

أنا أيضاً أشعر بالبهجة والفرح واللعب!

أنا أيضاً أريد ألا أعرف حدوداً لانفتاحي علي الحياة.

ها هو جوهر الحياة وقد ادركته للتو.

اه،

يا له من شعور بالنشوي،

والارتفاع،

والسمو والعلا!

هكذا الحياة!

أما ذلك الذي نعيشه في القرية

فإنه كذب،

غش وخداع ومكر.

حقاً،

أحمق هو من لا يأتي إلي الغابة.

من لا يحيا،

كما الغابة تحيا.

كفي!

من اليوم فصاعداً،

ستكون تلك الغابة،
تلك الغابة المباركة بعينها،

هي بيت لي.

ولكل أولئك الذين يريدون ألا يعيشوا فحسب،

لكن ان يعيشوا بصدق،

بعمق،

بذات أصيلة تشتاق للأرض ولأن تكون ممتلئة بالحياة.

إنهض إذاً يا قلبي،

فلسوفـ……

لكن رويداً قليلاً الان!

وهل تجولت اليوم بعيداً عن القرية بأكثر من الازم؟!

وما هو ذلك الشئ العجيب الذي أراه هناك؟

ان له شكل إنسان ومع ذلك فهو بالفعل ضخماً للغاية!!

أيكون ما اعتقد انه هو؟

أربما يكون هو الـ….

الـ….

– 3 –

لقد رأيته!

الوحش المريع.

وكم غريب هو منظر ذلك المخلوق:

فبالرغم من ان له جسم إنسان، إلا انه نحيفاً عارياً. سميك الجلد ذو لوناً بنياً تتخلله بقع من الأزرق والأخضر في شتي أنحاء جسده، وكأنه من الزواحف.

وليس هناك من شك في ان الفزع تملكني تماماً. لكنه كان نائماً، متمدداً علي ظهره باسترخاء فوق سلسلة من الصخور الممتدة بجانب الينبوع.

وهكذا فقد اُتيحت لي الفرصة لكي اتمعن في منظره المُقبض. وفيما كنت انا متخشباً في مكاني من الفزع، نظرت إلي وجهه. وكم كان مزهلاً ان استريح واطمئن لهذه الدرجة بعد ان رأيت وجهه. ويبدو ان حبي الجارف للغابة، وموجة النشوة العارمة التي كانت قد مرت بي للتو – يبدو انهما ساعداني كثيراً علي التخلص من فزعي.

لكن وجهه، لقد كان مختلفاً؛ كان مختلفاً تماما عن ذلك الذي تصورته من قبل، بالرغم من انني تصورته دوماً في شكل إنسان. انه لم يكن وجه إنسان فحسب، لكنه كان جميلاً بحق، وكان ينم عن العطف والبراءة المطلقة. وكانت عيناه واسعتان للغاية بالرغم من انهما كانتا مقفلتين.

ان الابتسامة الطفيفة التي كانت مرتسمة علي وجهه، واسترخاء جسده وأطرافه الممتدة، جعلاني افتطن الي انه لا يأبه البتة لاحتمال انقضاض أحد الكائنات عليه وهو نائم. وشعرت ان ذلك لأن الكائنات كلها تخشاه تماماً كما نفعل نحن. وبدا لي في تلك اللحظة وأنا أراه بعيني، أنه نائم بعمق شديد، وعظمة جليلة.

وبالرغم من أنني كنت في حضرة الوحش المريع،

إلا انني كنت قد بدأت أن أشعر بالطمأنينة!

كل ذلك السكون المبارك الذي كان من حوله،

ذلك السلام الداخلي الذي كان يشع من وجهه_

يكتنفني الان أنا أيضاً كل ذلك الهناء المريح،

ويجذبني إلي مصدره كالرحيق الذي يصيِّر النحل إلي الزهرة.

وتجرأت علي التقرب من ذاته المهيبة.

وانسبت بين الصخور كما ينساب الينبوع.

ثم جلست إلي جانبه كما تهبط الفراشات،

ببطء وهدوء وحذر.

كان الهدوء والاستكانة يحوطاني، وكان الاسترخاء قد تملّك مني. وكان هناك نسيم بارد ومنعش اشعر به يدور من حول جسده. وكان قلبي متحفزاً ونشطاً، عندما رأيت يده فجأة؛ تلك اليد الممتدة ذات الأصابع عظيمة الطول. وكان هناك شيئاً رشيقاً ومتعالياً في مظهرها. وبالرغم من قبح أظافره، والتي كانت تؤكد لي ان صاحبهم إنما هو كائن كاسر ومفترس، ملتهم للحم وشارباً للدماء – إلا أنني وقعت أثيراً لجمال يده الممتدة، حتي صرت أخيراً راغباً في لمسها!

وهنا شعرت بالخوف من جديد؛ فاليد تلك التي كنت أريد ان اتحسسها، كانت هي يد الوحش المريع! فامعنت النظر كثيراً في يده، والتي كان قد ازداد جمالها بسبب رغبتي التي لم اعد استطيع مقاومتها. وحتي أظافره، أصبحت الان هي الأخري جميلة! كل شئ في يده أصبح فريداً في جماله.

وبدأت أنا ارتعش واتصبب عرقاً، (كنت أعلم انني لن أرحل قبل ان اتحسسها!).ورجعت بنظري إلي وجهه فوجدته نائماً بعمق وسلام. فمددت ذراعي إلي يده ببطء وحذر. وكان العرق يتصبب من كل جسدي. وكلما اقتَرَبَت يدي منه كلما ازداد رعبي.كنت اخشي ان يستيقظ وان يمسك هو بيدي. أو ان يمسك بيدي ثم يستيقظ! وأياً ما كان سيحدث أولاً، كنت خائفاً من تلك المسكة الفجائية التي كان سيؤديها ببراعة محكماً قبضته علي يدي، ويأثرني بها مدي الحياة.

كان الخطر مهلكاً.

وعواقبه قدرية

وترددت للحظة تردداً صادقاً.

لكن بات الرجوع الأن أصعب وأثقل من المضي قدماً.

فإن المرء لا يجرؤ علي الهروب بعد ان أقترب بنفسه من الهلاك.

والفراشة تخترق هالة النور ولو انها ستحترق بلهيب النار.

ونظرت إلي وجهه من جديد وكان لا يزال نائماً. أما أنا فكنت لا أستطيع أن أفكر سوي في المسكة المميتة، وكيف يمكن لذلك الوجه المسالم الان، ان يتحول إلي نقيضه لاحقاً.

إلا أنني استعدت شجاعتي أخيراً، ومددت ذراعي عن آخرها، وكذلك اصبع السبابة، وكانتا اليدين علي وشك ان يتقابلا.

– 4 –

اه، لقد فعَلْتها! بمنتهي الحذر والدعة. وبمجرد ان لمست يده نظرت في الحال وفي توتر عصبي إلي ما إذا كان قد استيقظ. لكنه كان لا يزال نائماً، مرتسمة علي وجهه تلك الابتسامة الرائعة.

وكنت أظن في البداية انني بعد ان اختلس منه تلك اللمسة الغالية، سوف انسحب بهدوء ثم أفر سريعاً، هارباً إلي حيث لا يمكنه ان يتبعني، إلي القرية الآهلة بالأمان، ظافراً إلي الأبد بشجاعتي، وبخداعي للوحش المريع في عقر داره!

إلا ان ما أيقظَته هذه اللمسة في روحي كان لا يصدق؛ كان سحرياً خيالياً، اسطورياً تماماً: فأن يده كانت ناعمة ورقيقة بشكل استثنائي، وكان ملمسها يفيض بشعور حميمي عميق، لم أكن اتصور أن الشعور بمثله أمراً ممكناً.

وعلي الفور شَرعَتْ يده تتغني لي بأشياء مبهجة وسارة، بالرغم من انني لم أفهم من لغتها شيئاً! ووقعْتُ أثيراً لقشعريرة خارقة تملكَت كل جسدي وانزلت الدمع من عيني فيما كنت أغمضها من شدة التأثر.

وتسامت روحي إلي ذروة النشوي،

وكأنها لحظة استقبال الوحي السماوي وتجرع الإلهام الكلي.

فركعت علي الأرض مغمض العينين، متعبداً ليده،

يده تلك المقدسة التي تأخذني معها إلي عوالم أخري.

الارتفاع والسمو والعلا،

وكل شئ عظيم كنت اتغني به في الغابة منذ قليل؛

ها هم يرتأون لي هنا وكأنهم كائنات حية!

انظروا!

إنهم يصارعون في سبيلي،

يصارعون لكي يُظهروا أنفسهم لي.

إنهم يدعونني _يا إلاهي_

في ذلك الحب الغامر والطيبة الأصيلة،

لكي أمسك بهم!

اه يا قلبي،

وكيف لك ان تفعل غير ذلك

وامشق جسدي،

واتشبث بهم,

ويمسكون بي!

وترتفع روحي وتبتهج،

وتخفق دقات قلبي،

تنغمر الدموع من عيني.

أحتضنهم!

يصبحون نوراً!

يأتي المزيد منهم من كل الانحاء.

يأتون لي!

يحيطون بي من كل اتجاه!

ونحلق معاً عبر الهواء الطاهر إلي مكان ما،
تشرق فيه الشمس وأشعر فيه بالبهجة والفرح واللعب.

يإلاهي، إنها الغابة!

تلك الغابة المباركة بعينها.

لكن هناك الآلاف من الكائنات العجيبة،

أراهم من بعيد ينطلقون من الأرض إلي السماء الصافية،

بجناحين عظيمين، يحلقون معاً في مرح وبهجة عارمة.

يرتفعون ويدورون ويتضافرون ويمتزجون في الهواء معاً.

ياله من منظر بهيج،

ويالا سعادة هذه الكائنات الطائرة.

أشعر وأنا في حضرتهم بالسكون والسلام والهناء والدفء.

فاحلق انا أيضاً،

فرحاً،

لكي أقترب من نعيمهم.

لكنهم ينتبهون لوجودي أخيراً،

ويالا فزعي!

فانهم يتخشبون في امكانهم للحظة،

ينظرون ملياً في عيني،

ثم يفرون مفزوعين بعيداً عني،

وكأنني تجسد الموت جاء ليوقعهم جميعاً في الشباك.

ويختفي كل شئ عظيم وجليل أتي بي إلي هنا.

والشمس تغيب خلف الغيوم،

ويأتي البرد،

ويحل الظلام،

وينتابني شعور رهيب بالوحدة والأسي.

كهذا الذي تـُرِك مهجور،

وبائس،

يتغير قلبي،
ويرتعش جسدي الأرضي،

الذي أكون قد بدأت ان أعود اليه.

وفتحت عيني في عودة كئيبة وعصبية إلي الواقع المخيف الذي كنت قد وضعت نفسي فيه.

وشهقَتْ روحي عندما رأيت انني كنت متشبثاً بيد الوحش المريع كل ذلك الوقت،

وأن أصابعه التي كانت ممتدة اصبحت الان منثنية فوق يدي هي الأخرى،

والدم الملهب يجري في عروق يده،

وأظافره قد امتدت واشتدت حميتها،

وقلبه ينبض بقوة ضاربة.

ونظرت إلي وجهه وأنا في هول الفزع والارتعاد. لكنه كان يعود من عالم النوم العميق بسرعة وبقوة.

وكان يبدو وأنه قد صار منزعجاً بشدة فتقلصت عضلات وجهه محيلة تلك الابتسامة الهادئة التي كانت تطل منه إلي عبوس وتجهم.

وتغير كل شئ وأصبح الفزع والرعب والصراع هم من يسودوا الأجواء.

إنها لحظة الفرار، ليس هناك من شك أو تلكؤ في هذا؛

فأحاول ان أنجو بنفسي من تحت أصابعه التي تطوي كل يدي،

ببطء وحذر كما دائماً.

لكنه يشعر هذه المرة بأقل حركة أُحدثها.

وأرتعد عندما أجد أنه بدأ ان يتحرك هو كذلك.

لن تمر سوي ثوان قبل أن يستيقظ الموت الان،

وأنا أقف هنا في ظل الفناء كالمسجون مربوط مصيره بيد الهلاك.

لقد وقعت في أعصي الفخاخ،

وقنصني أدهي الصيادين وهو نائم.

ولكنني طائر كان قد حط بإرادته فوق الشرك،

ومن ثم فانه يحق لي ان أطير من جديد.

وتنتابني أخيراً موجة من الذعر العصبي لمرور الوقت وأنا حبيس هكذا انتظر فنائي؛ فأسحب يدي بقوة وعنف موشكاً ان أحررها. ولكن يستوقفها تخشبي ورعبي الناتح عن نشاط الوحش المريع الذي صار يحدث الان علي نطاق واسع ويشمل كل جسده بسبب شعوره بي. وأري ان أطرافه بدأت ان تنهض. ويميل برأسه بحيث استطيع ان أري كل وجهه وقد صار محملاً بالانزعاج والقلق. وأري بوضوح علامات بداية استعادة الوعي، فتتراجع جفونه عن عمق غمضتها، وتنفرج شفتيه كاشفين عن أسنان وأنياب لا يوجد مثيل لقبحهم وشراستهم علي وجه الأرض. فيشتد ترويعي ويصل هلعي إلي الذروة، وأدرك بوضوح ان ذلك الذي سوف يأخذه الوحش مني هو حياتي. وأكاد ان أصرخ، واليدين علي وشك ان يفترقا.

– 5 –

أه، لقد فعلها!

بغتة كما توقعت وبأكثر قوة مما ظننت.

أحكم قبضته علي يدي بعنف.

أمسك بذراعي كلها.

ثم نهض واقفاً بعصبية وعزم.

وارتفعت معه عن الأرض،

عالياً،

شاهقاً،

وأنا متدلياً من يده.

وكنت قد أطلقت عدة صرخات من شدة الذعر.

أما هو فقد كان صامتاً إلي الان

لا يصدر منه أي صوت.

وبعد ان انتصب تماماً، أخذ يهزني ويزعزعني بعنف في الهواء وهو يلقي نظرته الأولي علي. لم يكن يعرف من أنا أو أي مخلوق أكون. وشعرت وأنا في الهواء أحاول أن أنظر إليه انه كان مزهولاً مما حدث، ومستثاراً بشدة للتعرف علي ذلك الكائن الفريد الذي تجرأ واقترب منه. لكنه كان هادئاً وواثقاً. فرفعني بهدوء لأعلي، إلي مستوي رأسه، ليتفحصني بنَظَره ويتمعن في كينونتي.

كان الحدث قد تطور إلي أقصي ما يمكن أن يصل إليه، وكنت قانعاً تماماً بأن هذا الذي صار الان متيقظاً ونشطاً، والذي يمسكني بإحكام ويطبق علي حريتي، والذي أشعر بحرارة أنفاسه تغمرني مع كل زفير هادئ – كنت قانعاً بأنه سوف يحيل مصيري إلي مأساة قاتمة. فصَمت واستكنت واستسلمت تماماً، وراحت عيني تومض من شدة الإرهاق والذعر والألم العميق.

وكنت علي وشك ان أغيب عن الوعي تماماً من شدة الإعياء، حينما تراءت لي بقعتان من اللهب الناري كان يزداد بريقهما مع تبدد الغبار الذي كان قد أثاره نهوض الوحش المتعجل. وأعاداني بقوة إلي وعيي، وأيقظا في قلبي شعوراً جديداً بالخوف؛ ذلك الخوف الفطري الذي تعرفه الحيوانات.

كان ينظر إلي وكانت تلك هي عينيه.

دامية بحمرة فاقعة،

تصلي ناراً متأججة ومتوهجة.

تحملق باتساعهما المهول في عيني وفي لا شئ آخر،

بثبات مروع واستقامة مزهلة.

مباشرة،

بصدق مستحيل؛

كانت عيناه تخترق عيني وتنفذ إلي روحي.

وبقدر ما كانت يده تعطي وتفيض،

كانت عينه تأخذ وتغتصب؛

تخطف بصري،

تهدد نظري،

وتطفئ بريق عيني تماماً.

ومرت لحظات لم تفترق فيها عينانا ولم يفعل هو فيها شئ علي الاطلاق سوي التفرس في عيني. ولم يصدر منه أو من أي شئ اخر أي صوت. ولم يقطع رنين الصمت ذلك سوي بعض الآهات الخافتة المرتعدة التي كانت تخرج من تلقاء ذاتها مع نَفَسي المرتعش، والتي لم يتأثر بها الوحش علي الاطلاق.

وشعرت ان مصير الألم والتعذيب الذي ينتظرني قد أبتدأ، عندما كف عن الحملقة في عيني أخيراً. وكان يبدو وأنه قد صار مزهولاً بشدة لسبب ما. وشرع يمد جسمه إلي أعلي من جديد بعد ان كان منحنياً ليراني عن قرب. وكلما كان يعلو هو كان ينهض خوفي ورعبي تبعاً.

لكنه فتح يده الضخمة ليتركني أسقط! وبالرغم من ان الارتطام كان قوياً، إلا انني لم أشعر سوي بالزهول لما فعل، والترقب لما سيفعل الأن وهو يقف هكذا، كبير وعظيم من فوقي.

ثم أراه ينظر برأسه إلي أعلي،

ويصرخ صرخة مروعة!

صرخة وحشية؛

تحطم الصمت الذي كان سائداً،

وتصعق أذني تماماً.

ذلك الصوت الأجش المرتجف،

تلك الـ آه، المتألمة العميقة؛

تمتد وتمتد،

تعلو وتعلو،

تتسيَّد المكان وتدور في أرجائه.

وتهتز الأرض بأكملها أسفل قدمي.

وعلي الفور ودون أدني وعي،

أجري بعيداً،

بعيداً عن الوحش المريع.

وعندما يتوقف ذلك الصوت البشع،

أنظر إلي الخلف مفزوعاً،

مظناً أنه يركض خلفي.

فأجده واقفاً في ذات موضعه،

ينظر إلي،

قليل وصغير أنا أسفله.

وتلتقي أعيننا من جديد،

واه يا قلبي؛

لم أري في حياتي مثل ذلك الألم في العينين!

وتخذلني شجاعتي،

وأحيد بنظري عن جبروت صدق عينه،

وأجري إلي القرية،

أسرع وأسرع،

بعيداً عن الوحش المريع،

أكثر وأكثر.

وعندما اتيقن أنه لم يكن يتبعني،

أتوقف لكي آخذ نفسي الذي انقطع.

وأنظر للخلف فأراه من بعيد،

يطير بجناحين عظيمين،

يمتدان من ظهره.

يحلق بعيداً،

إلي أعلي وإلي الما-بعد،

في الاتجاه الاخر،

إلي ان يختفي خلف الأشجار.

– 6 –

نعم,

كان يحلم.

كان يحلم بي!

كان يحلم،

بالإنسان.

© Maysara Omar 2009

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s